الأخبارالأخبار الدوليةالمقالات

ما الذي ينفع الإنسان المسلم السوي في زمن الفتن والتحولات؟ / د. محمد نافع ولد المختار ولد آكه

يشهد الإنسان المعاصر ـ والمسلم خصوصًا ـ حالة غير مسبوقة من التسارع المعرفي، والاضطراب القيمي، والتشويش النفسي، بفعل تحولات ثقافية وتقنية عميقة. ولم تعد الأسئلة الكبرى تدور فقط حول ماذا نؤمن؟ بل أصبحت تتعلق أيضًا بـ كيف نعيش إيماننا؟ وكيف نحافظ على سلامة النفس والعقل في عالم متغير؟ بل: وكيف أعمل كمسلم لتحقيق أمر نبيي ⸨إحرص على ما ينفعك⸩؟

من هنا تبرز الحاجة إلى تحديد ما الذي ينفع الإنسان المسلم السوي؛ نفعًا حقيقيًا متوازنًا، لا يختزل الدين في طقوس محددة على جلالة قدرها، ولا يذيب الهوية في واقع مضطرب، ولا يهمل معطيات النفس والتربية.

 

 

 

أولًا- مفهوم “الإنسان المسلم السوي” في المنظور القرآني

 

القرآن لا يتوجه إلى الإنسان بوصفه كائنًا تعبديًا مجردًا، بل بوصفه خليفة الله في الأرض، مركبًا من عقل ونفس وروح، ويجسد سلوكًا اجتماعيًا واسع النطاق. من ثمة، فالإنسان السوي قرآنيًا هو من تحققت فيه سلامة الفطرة ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾، والعقل [﴿أفلا تتفكرون﴾، ﴿لقوم يعقلون﴾]، والقلب ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾. وهو ليس المعصوم من الخطأ، بل المتزن القابل للإصلاح، الذي يملك أدوات المراجعة والأوْب إلى سواء السبيل..

 

 

 

ثانيًا- ما ينفع النفس المسلمة: بين التزكية والاتزان النفسي

 

من منظور نفسي تربوي، لا يمكن فصل الإيمان عن الصحة النفسية. وقد ربط القرآن بين تزكية النفس ونجاح الإنسان ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾. ويجدر بنا أن ننبه هنا إلى أن التزكية القرآنية لا تعني القمع، ولا تقوم على كبت المشاعر أو إنكار الغرائز، بل على تنظيمها وتوجيهها وترشيدها بالقيم، وهو ما تنسجم معه مفاهيم علم النفس الحديث حول الضبط الذاتي والمرونة النفسية.

 

إلى جانب تزكية النفس تثمر مصاحبة القرآن الكريم الطمأنينة بدل القلق الوجودي؛ حيث يولد الإيمان الصحيح معنى للحياة، وتفسيرًا للألم، وأفقًا للأمل [﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾، ﴿لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا يما آتاكم﴾]. إنها طمأنينة وجودية عميقة لا توفرها المتع السريعة ولا الإنجازات المادية، على أهمية هذه إن أجريت مجراها الصحيح من خدمة الإنسان والإنسانية معا فيما تقتضيه وتقصد إليه الرسالة الربانية ﴿رَحْمَةً لِّلْعَالَمِين﴾.

 

 

 

ثالثًا- البعد التربوي: بناء الإنسان لا تلقينه

 

إن من أخطر اختلالات الواقع المعاصر كثرة المعلومات، وقلّة التكوين. من ثمة فالنافع تربويًا هو: الفهم لا مجرد الحفظ على أهمية هذا، والمنهج لا مطاردة الجزئيات، والقدرة على التفكير لا مجرد التلقّي. وفي هذا المضمار اعتمد القرآن أساليب السؤال [﴿هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾]، والحوار [﴿قل من يرزقكم من السماوات والأرض؟ قل الله، وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين … كلا بل هو الله العزيز الحكيم﴾] وضرب المثل [﴿ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون﴾، ﴿مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة﴾]… بما يوقظ الوعي ويثير الانتباه.

 

إن هذا المنهج يدل على أن التربية القرآنية تكوينية لا تلقينية؛ وهي بهذا تُنشئ إنسانًا قادرًا على التمييز، والاختيار، وتحمل المسؤولية.

 

 

 

رابعًا- المسلم السوي في زمن الفتن

 

ليست الفتنة في القرآن تعبيرا عن صراع خارجي مع الظروف والأوضاع المحيطة فقط؛ بل هي إلى ذلك اصطراع داخلي من قبيل التباس الحق بالباطل، واختلال المعايير، وضغط الشبهات والشهوات [﴿الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون. ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذيبن﴾].

 

إلى هذا يجدر بنا أن نسأل ما الذي ينفع هنا؟ والجواب في البصيرة لا مجرد الحماسة، والثبات دون جمود، والوعي دون انسلاخ، والاعتدال دون تمييع. فالمسلم السوي لا ينعزل عن الواقع، ولا يذوب فيه، بل يتفاعل بميزان ﴿القسطاس المستقيم﴾

خامسًا- التغيرات المعاصرة ومطلب التكيف الواعي

إن التقنية والإعلام والعولمة… كلها أدوات محايدة، يكون النفع أو الضر فيها مرتبطا بالوعي. والقرآن يقرر قواعد كبرى من قبيل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾، ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه يوف يرى ثم يجزاه الجزاء الأوفى﴾، ﴿وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون﴾.. فالنافع هو

امتلاك مهارات العصر، مع الحفاظ على مرجعية القيم، دون عقدة نقص أو شعور بالتهديد الدائم.

إن ما ينفع الإنسان المسلم السوي اليوم ليس مجرد شعارات إيمانية، ولا انبهارًا بالحداثة، بل مشروع إنسان متكامل يجسد على أرض الواقع إيمانا واعيا، ونفسا متزنة، وعقلا ناقدا، وخلقا راسخا، وواقعا مفهوما.. ذلك هو الإنسان الذي قصده القرآن حين خاطبه بوصفه خليفة في الأرض، لا مجرد تابع للظروف ولا أسير للفتن المعروضة ⸨على القلوب كالحصير عودا عودا⸩ بيد أنها لا تضر غير من أشربها

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى