حين تصبح الثقة مخاطرة قانونية: تأملات من قلب التجرب / احمد محمد حماده
ليست كل الأخطاء تُرتكب بسوء نية، ولا كل المتورطين في قضايا القانون مجرمين بالمعنى الذي يتبادر إلى الأذهان. أحيانًا، تكون البداية بسيطة حدّ السذاجة: ثقة في قريب، توقيع على ورقة، وختم يوضع بحسن نية… ثم تتدحرج الأمور لتصبح قضية.
في مجتمعاتنا، حيث ما تزال الروابط العائلية تُقدَّم على كثير من الاعتبارات، يُنظر إلى الثقة على أنها فضيلة مطلقة، لا تحتاج إلى تدقيق أو تحفظ. نثق لأننا تربّينا على ذلك، لأن “ابن العائلة لا يُساء الظن به”، ولأن الشك يُفسَّر أحيانًا على أنه قلة أصل. لكن الواقع الإداري والقانوني لا يعترف بهذه المعايير، بل يقيس الأمور بمنطق مختلف: المسؤولية، والتبعات، والإثبات.
المشكلة لا تكمن في الثقة ذاتها، بل في غياب الوعي بحدودها. حين تتحول الثقة من قيمة أخلاقية إلى أداة تُستخدم في معاملات رسمية، فإنها تخرج من دائرة النوايا إلى مجال المسؤوليات. هناك، لا يُسأل المرء عمّا قصد فقط، بل عمّا وقّع، وختم، وأجاز.
في مثل هذه اللحظات، يكتشف الإنسان فجوة مؤلمة بين ما يعتقده صحيحًا أخلاقيًا، وما يُحاسب عليه قانونيًا. فجوة لا تُردم بسهولة، لأنها تتعلق بمنظومتين مختلفتين: واحدة تُبنى على النية، وأخرى تُبنى على الأثر.
لكن، في قلب هذه التجربة، يولد وعي جديد. وعي بأن الطيبة لا تعفي من الحذر، وأن الثقة لا تُلغي المسؤولية، وأن القرب العائلي لا يُغني عن الوضوح في المعاملات. ليس المقصود هنا الدعوة إلى الشك في الجميع، بل إلى ترشيد الثقة، وجعلها واعية، لا عمياء.
ثمّة جانب آخر لا يقل أهمية: كيف ينظر المجتمع إلى مثل هذه الحالات؟ هل يُسارع إلى التصنيف والإدانة، أم يمنح مساحة للفهم والتفريق؟ بين من تعمّد، ومن أُسيء استخدامه؟ بين من خطّط، ومن وثق؟ العدالة، في جوهرها، ليست فقط تطبيق النص، بل فهم السياق أيضًا.
التجارب القاسية، مهما كانت ظروفها، تحمل في طيّاتها فرصة لإعادة ترتيب الذات. ليس من باب التبرير، بل من باب الفهم. أن يدرك الإنسان أين أخطأ، لا ليجلد نفسه، بل ليبني وعيًا جديدًا أكثر توازنًا.
في النهاية، قد لا يختار الإنسان كل ما يحدث له، لكنه يختار كيف يفهمه، وكيف يخرج منه. وبين الثقة التي كانت، والوعي الذي أصبح، تتشكل مسافة… هي في الحقيقة بداية نضج.