*عصرنة مدينة نواكشوط: رهان على المستقبل*

يمثل تاريخ الذكرى السنوية لأداء القسم أمام الوطن والمجتمع الدولي، في سياق تولي المسؤولية بموجب تفويض شعبي، محطةً فارقةً في مسار الأمة. إنها لحظة تقييم تجْمع بين ما تم التعهدُ به وما تم إنجازه، وفرصة لتقدير مسار المأمورية وتوجهاتها.
وفي هذا السياق، نسلط الضوء على أحد أبرز الالتزامات البنيوية التي تم التعهد بها من أجل تحسين حياة المواطنين: عصرنة مدينة نواكشوط.
تتجلى هذه اللحظة الرمزية في صورة تجمع بين لقطة أرشيفية من يوم 5 مارس 1958، حيث وضع أول حجر في تأسيس العاصمة، وصورة حديثة للرئيس محمد ول الشيخ الغزواني في 20 يناير 2025، وهو يطلق برنامجاً طموحاً لتطوير نواكشوط. مدينةٍ تضم ربُع سكان البلاد، باتت الآن على موعد مع نهضة عمرانية وتنموية شاملة.
*استثمارات ضخمة وخطة طموحة*
تمت تعبئة أكثر من 5 مليارات أوقية جديدة لتنفيذ هذا المشروع. وتشمل الخطة إيصال المياه إلى جميع الأحياء، تعبيد 137 كيلومتراً من الطرق، منها 50 كلم من الشوارع الكبرى، بالإضافة إلى تشييد 400 مؤسسة تعليمية و40 منشأة صحية، وذلك خلال فترة زمنية قياسية لا تتجاوز سنتين.
*نقلة نوعية في البنية التحتية*
بدأت أولى الطرق السريعة الحضرية في رسم مداخل ومخارج المدينة، مع تخصيص مسارات للنقل العمومي، فيما ساهمت الجسور العُلوية في تخفيف الازدحام المروري وتحسين انسيابية الحركة داخل المدينة. كما ساعدت الطرق الالتفافية في فك العزلة عن أطراف المدينة وتعزيز الربط بشبكة الطرق الوطنية.
*الرهان على التنقل الحضري*
بات الرهان اليوم يقوم على تحسين التنقل داخل المدينة، باعتباره عنصراً أساسياً في أي اقتصاد حديث، حيث أصبح الوقت هو المورد الأغلى. كما أن اعتماد الطاقة النظيفة يشكل ركيزة أساسية في التخطيط الحضري المستقبلي، وبلادنا تزخر بموارد متجددة جاهزة للاستغلال.
*رؤية شاملة رغم التحديات*
رغم العقبات المتعلقة بالإرث العقاري المعقد من الناحية القانونية والفنية، فإن الحكومة عازمة، كما تؤكد اجتماعاتها المتكررة، على المضي قدماً في مشروع تحديث العاصمة. وتكمن الحاجة الملحة اليوم في إنشاء مركز مدينة عصري يضم حدائق عامة، مواقف للسيارات، ممرات للمشاة، واجهات تجارية، مقاهي ومطاعم، ومساحات للترفيه.
العيش الحضري يقتضي تهيئة ظروف مناسبة تضمن جودة الحياة، وتعزز الروابط الأسرية والاجتماعية. ومن هذا المنطلق، تسعى الدولة إلى إقامة مركز مدينة يعكس طموحات الأمة، ويجسد صورتها الحديثة.
*نواكشوط بين الصحراء والبحر*
العصرنة تعني أيضاً بناء مدينة قادرة على الصمود أمام التحديات المناخية، بين صحراءَ تتمدد وبحرٍ يهدد بالغمر. لكن في هذا التحدي تكمن فرصة: ساحل نواكشوط، رغم مخاطره، يحمل في طياته إمكانات هائلة.
فقد تبنت الدولة، بقيادة الرئيس محمد الشيخ الغزواني وحكومة الوزير الأول المختار ول أجاي، مقاربة متكاملة لإدارة الشريط الساحلي، من خلال شراكة مع أطراف دولية عبر مؤسسة مشتركة. وتشمل الإجراءات الأولى أعمال ردم وتشجير لحماية الساحل من الغمر، إلى جانب مشاريع تنموية مستدامة ستمنح نواكشوط بعداً اقتصادياً جديداً.
*معركة التنمية بتخطيط عقلاني*
إن نجاح هذا المشروع الطموح يتطلب الحد من التوسع العشوائي للمدينة، وإعادة توطين الأحياء الهشة في مناطق أكثر أماناً، وتخصيص الأراضي المحررة لمشاريع تنموية مستدامة، بالتوازي مع تبني مسار حقيقي للانتقال البيئي والطاقوي.
دول عديدة أخفقت في تحديث عواصمها فاضطرت إلى إنشاء مدن جديدة بتكاليف باهظة، لكننا ما زلنا نملك الأمل والفرصة إذا ما تضافرت الجهود: الدولة المركزية، السلطات المحلية، المجتمع المدني، والشركاء الدوليون.
*إعادة الاعتبار للنفع العام*
باتت أراضي الدولة اليوم تحمل علامات واضحة تعيد الهيبة إلى النفع العامة بعد سنوات من التجاوزات.
الرؤية واضحة، والخطوات العملية بدأت. ومع استكمال المرحلة الأولى من هذا المشروع، سيشهد الفضاء الحضري للعاصمة تحوّلاً نوعياً شاملاً.
نواكشوط، 31 يوليو 2025
سيدو حسن صال
إداري مدني.
نقله إلى العربية/ سيدي محمد متالي.
