جيشٌ يصنعُ الأمنَ ويصونُ السيادة / أحمد محمد حماده – كاتب ومحلل سياسي

في زمنٍ تتكاثر فيه التهديدات وتضطرب فيه خرائط الأمن في محيطنا الساحلي، يقف الجيش الموريتاني شامخًا كعنوانٍ للثبات، وكسياجٍ منيعٍ يحرس كيان الدولة ويحفظ كرامتها. ليس حضوره تفصيلاً عابرًا في معادلة الوطن، بل هو جوهرها الصلب، حيث تتجسد إرادة السيادة فعلًا، لا شعارًا، وحيث تُكتب معادلة الأمن بدماء الرجال لا بحبر البيانات.
ليست العقيدة القتالية لقواتنا المسلحة مجرد نصوص تُتلى، بل هي خلاصة مسارٍ طويلٍ من التضحيات والاختبارات القاسية، صاغت رؤيةً واضحة لا لبس فيها: حماية التراب الوطني، تأمين الحدود، وضرب التهديد قبل أن يتشكل. إنها عقيدة الحسم، التي لا تنتظر الخطر حتى يستفحل، بل تباغته في مهده، وتُخضعه لمنطق الدولة وهيبتها.
من لمغيطي في الرابع من يونيو 2005، حيث واجهت البلاد لحظة اختبارٍ عصيبة، خرج جيشنا أكثر صلابة، وأشد وعيًا بطبيعة التحديات. لم تكن تلك المحطة انكسارًا، بل كانت ميلادًا جديدًا لعقيدة قتالية أكثر جرأةً وواقعية، عنوانها: لا سيادة بلا قوة، ولا أمن بلا جاهزية دائمة.
ثم جاءت عمليات يوليو وسبتمبر 2010 لتعلن بوضوح أن الجيش الموريتاني لا يحرس حدوده فقط، بل يمتلك القدرة والإرادة لنقل المعركة إلى عمق التهديد، حين يقتضي الأمر. وفي واغادو، يونيو 2011، لم يكن ما حدث مجرد مواجهة عسكرية، بل كان تثبيتًا لميزان ردعٍ جديد، يُدرك فيه الخصم أن كلفة العدوان أصبحت أعلى من احتماله.
ومنذ ذلك الحين، يتصاعد المسار بثباتٍ وثقة. من آدرار في مارس 2023، تتكرّس صورة جيشٍ يقظٍ لا ينام، يرصد في صمت، ويعمل باحتراف، ويضرب بدقةٍ حين تحين لحظة الحسم. هنا لا مكان للارتجال، بل تخطيط محكم، واستخبارات يقظة، وتنفيذ يعكس أعلى درجات الانضباط والكفاءة.
وراء هذا الأداء، تقف منظومة عسكرية متكاملة، تتوزع بين قوات برية وجوية وبحرية، مدعومة بوحدات خاصة عالية الجاهزية، وتجهيزات حديثة، وقدراتٍ لا يُفصح عنها كاملة، لأن في صمت القوة هيبة، وفي خفائها ردعًا مضاعفًا.
أكثر من عشرين عامًا من التجربة الميدانية لم تُنتج فقط انتصاراتٍ ظرفية، بل أسست لبنية أمنية صلبة، استطاعت—ولله الحمد—أن تُحكم إغلاق الداخل في وجه محاولات الاختراق، وأن تمنح المواطن شعورًا عميقًا بالأمان في محيطٍ إقليمي مضطرب.
وراء هذه المنظومة، يقف رجالٌ صدقوا ما عاهدوا عليه الوطن، قادةً وجنودًا، يحملون ذاكرة المواجهة، ويتوارثون روح التضحية، جيلاً بعد جيل. إنها مدرسة وطنية حقيقية، يُدرَّس فيها الانتماء بالفعل، وتُصان فيها السيادة بالتضحيات.
تحيةُ إجلالٍ وإكبارٍ لذلك الجنديِّ المرابطِ على الثغور، حيثُ تقسو الطبيعةُ وتشتدُّ العزلةُ وتحدقُ الأخطار، فيختارُ أن يكون خطَّ الدفاع الأول، ساهرًا حين ينامُ الآخرون، ثابتًا حين تتبدّل الظروف. هناك، في صمت الرمال واتساع الصحراء، يُكتب تاريخٌ لا تُخلّده الكاميرات، بل تحفظه الأرضُ التي يمشي عليها بثبات. أولئك هم حماة الوطن الحقيقيون، الذين جعلوا من التضحية قدرًا، ومن الشرف العسكري رسالة، فاستحقوا أن يُرفع لهم مقام الامتنان في قلوب شعبٍ يعرف قيمة من يحرسه.
لقد أصبحت موريتانيا، بفضل جيشها، صمّام أمانٍ في منطقة تموج بالاضطراب. قوةٌ متزنة، لا تسعى إلى الاستعراض، لكنها لا تتردد في الحسم حين يُختبر الأمن. دولةٌ تُدير مخاطرها بعقلانية، وتفرض احترامها بثقة، وتُثبت أن السيادة ليست شعارًا يُرفع، بل قدرة تُبنى وتُحمى.
وإزاء ما يصدر أحيانًا من أصواتٍ نشاز، تتخفّى خلف ادعاءات النقد لتبثّ التشكيك وتنتقص من مكانة جيشنا، يجدر التذكير بأن التمييز بين النقد المسؤول والإساءة الهدّامة ليس ترفًا، بل واجب وطني. فالنقد البنّاء مرحّب به حين يستند إلى المعرفة ويهدف إلى التقويم، أما التبخيس في ظرفية حساسة، فليس إلا إضعافًا للجبهة الداخلية، وخدمةً—واعية أو غير واعية—لأجندات لا ترى في استقرارنا خيرًا. إن احترام القوات المسلحة ليس خيارًا، بل هو جزء من احترام الدولة نفسها، وهيبة الوطن التي لا تُمسّ.
إن تمجيد القوات المسلحة ليس مجاملة، بل هو اعترافٌ بحقيقةٍ راسخة: أن هناك من يسهر ليبقى الوطن آمنًا، ومن يضحي ليبقى العلم مرفوعًا. فجيشنا، وهو يراكم القوة والخبرة، لا يحمي الحاضر فقط، بل يصوغ مستقبلًا تُصان فيه الكرامة، وتُحفظ فيه السيادة.
وهكذا يبقى الجيش الموريتاني—بعقيدته الراسخة، ورجاله الأوفياء—حصن الوطن الذي لا يُخترق، ودرعه الذي لا ينكسر، وعنوان عزّته التي لا تُساوَم.
