الأخبارالأخبار الدولية

موريتانيا… جهود الرئيس ومسؤولية الحكومة والشعب/ الشيخ السالك

قبل أيام تمت تسمية المرشح الموريتاني إسماعيل ولد الشيخ أحمد أمينا عاما لمنظمة التعاون الإسلامي وهو منصب يعتبر فوزا كبير للدبلوماسية الموريتانية وقبل ذلك فاز المرشح الموريتاني برئاسة البنك الأفريقي للتنمية ولعل واحداً من أهم التحولات التي عرفتها موريتانيا خلال السنوات الأخيرة أن اسمها بدأ يغادر شيئاً فشيئاً ذلك الهامش البعيد في المخيلة الدولية، ليدخل مساحة أوسع من الحضور والاهتمام. وفي تقديري، فإن للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني نصيباً شخصياً كبيراً في صناعة هذه السمعة الجديدة، فالسياسة الخارجية ليست دائماً خطباً ومؤتمرات واتفاقيات فأحياناً يكون الرجل نفسه بأخلاقه وكياسته جزءاً من سياسة بلاده الخارجية.

وغزواني من ذلك الطراز الذي يصنع حضوره بتراكم الانطباعات. وربما يعود شيء من ذلك إلى تكوينه الشخصي وتربيته الروحية والفكرية التي صنعت فيه أبعادا من السكينة والانضباط والابتعاد عن الصخب. فثمة رجال يعرفون حين يتحدثون، وثمة رجال يشعر الناس بوزنهم. وبين الصوت والوزن مسافة طويلة.

وقد انعكس ذلك على صورة موريتانيا نفسها.فخلال رئاسته للاتحاد الإفريقي، وجدت موريتانيا نفسها في قلب ملفات القارة السياسية والأمنية والدبلوماسية. كما عزز حضورها داخل المؤسسات العربية والإسلامية من صورة بلد ظل زمناً أطول مما ينبغي أقل ظهوراً من قيمته الجغرافية والثقافية والسياسية.

وفي المجال الأمني تبدو الصورة أوضح. فموريتانيا الواقعة على تماس مع واحدة من أكثر مناطق العالم هشاشة، استطاعت أن تتحول من بلد يخشى الناس عليه من الإرهاب إلى شريك ينظر إليه باعتباره جزءاً من الإجابة عنه.

لقد أصبح غزواني والدولة الموريتانية بفضله موضع ثقة لدى شركاء دوليين كبار في قضايا الساحل ومكافحة الإرهاب، من الولايات المتحدة وأوروبا إلى حلف شمال الأطلسي. كما أن حضوره ضمن الدعوات الأميركية رفيعة المستوى الموجهة إلى عدد محدود من القادة الأفارقة يحمل دلالة تتجاوز بروتوكول الزيارة: موريتانيا لم تعد ذلك البلد الذي يتعين عليه دائماً أن يشرح للعالم أين يقع.

ومن هنا تحديداً يبدأ التحدي الحقيقي.لقد نجحنا، إلى حد كبير، في صناعة رصيد من السمعة السياسية والأمنية، ولكن السمعة مثل المطر، لا ينفع الأرض إن لم نجد من يحسن استغلال الماء.

ما قيمة أن تصبح موريتانيا موضع ثقة في العواصم الكبرى إذا لم تتحول تلك الثقة إلى مصانع وفرص عمل واستثمارات وتقنيات؟ وما فائدة أن تتسع المسافة التي يقطعها اسم موريتانيا في الخارج بينما يظل المواطن ينتظر أن تصل إليه ثمار ذلك الحضور؟

إن التحدي القادم هو تحويل السمعة إلى اقتصاد. وهذه مهمة الحكومة والإدارة والقطاع الخاص ورجال الأعمال والبعثات الدبلوماسية.

لقد حان الأوان أن تكون لدينا آلة وطنية تعرف كيف تحول كل زيارة رئاسية وعلاقة دولية ورصيد من الثقة إلى باب للاستثمار.

موريتانيا ليست فقيرة في الفرص لكنها فقيرة في قدرتها على رواية قصة تلك الفرص للعالم.

لدينا الحديد والذهب والنحاس والكثير من المعادن النفيسة الأخرى والثروة السمكية والثروة الحيوانية والغاز والطاقة المتجددة، والأراضي الزراعية الشاسعة و قرابة الألف كلم من الشواطئ الرملية الجميلة على المحيط الأطلسي وموقع يفتح نافذتين على إفريقيا والعالم العربي، ومع ذلك لا يزال تدفق الاستثمارات الخارجية دون المستوى الذي تفترضه هذه الإمكانات.

ولا يمكن تحميل الخارج وحده المسؤولية. ففي الداخل أمراض ينبغي ألا نخشى تسميتها. لا يزال بعض المنتسبين إلى الطبقة الحاكمة والإدارة يحملون إرثاً من الممارسات التي تعيق بناء الدولة الحديثة، ولا يزال الفساد، رغم الجهود الحثيثة المبذولة لمحاصرته، أحد الثقوب التي يتسرب منها جهد الدولة وثقة المواطن.

والفساد ليس سرقة المال وحدها؛ فساد الإدارة أن تجعل المستثمر يطرق عشرة أبواب للحصول على جواب واحد، وفساد العقل أن تتحول الوظيفة العامة إلى امتياز شخصي، وفساد السياسة أن نعتقد أن الدفاع عن النظام يعني إخفاء أخطائه.

الدول لا تتقدم لأنها بلا عيوب، بل لأنها تمتلك الشجاعة لرؤية عيوبها قبل أن يراها الآخرون.

لم يساعد الإعلام الدولي والعربي موريتانيا في تقديم صورتها الحقيقية. فمن المفارقات أن تستطيع كاميرات بعض القنوات العربية الكبرى الوصول إلى حي فقير في نواكشوط لتصوير نشاط تضامني مع القدس، ثم تعجز الكاميرا نفسها عن الالتفات إلى بلد كامل يتحرك خلف ذلك المشهد.

لا اعتراض على تضامن الموريتاني البسيط مع القدس وفلسطين فذلك جزء أصيل من وجدانه. لكن من حقه أيضاً على الإعلام الذي ينقل صوته أن ينقل قصة وطن يملك الغاز والحديد والذهب والسمك والطاقة، والكثير من الخيرات وشعب متسامح مع الآخر وتجربة أمنية تستحق الدراسة، وفرصاً اقتصادية تنتظر من يكتشفها.

موريتانيا اليوم ليست موريتانيا الأمس هناك مسار اقتصادي وسياسي يتصاعد وثروات تدخل دائرة الاستغلال وعلاقات دولية أكثر تنوعاً وصورة خارجية أكثر احتراماً

من حق موريتانيا ألا تكون مجرد خلفية صحراوية لتقارير الآخرين.

لكن من واجبنا أيضاً ألا نبقى في انتظار صحفي أجنبي يكتشفنا، أو مستثمر يصل إلينا بالمصادفة.

موريتانيا اليوم ليست موريتانيا الأمس. هناك مسار اقتصادي يتصاعد، ومكانة سياسية تتحسن، وثروات تدخل دائرة الاستغلال، وعلاقات دولية أكثر تنوعاً، وصورة خارجية أكثر احتراماً. لكنها ليست بعدُ موريتانيا التي نريد.

قد يستطيع الرئيس أن يفتح أبواباً في واشنطن وبروكسل والعواصم الإفريقية والعربية، لكن لا رئيس يستطيع وحده أن يبني أمة. الرئيس يستطيع أن يشق الطريق، لكنه لا يستطيع أن يسير نيابة عن شعب كامل.

لقد منح غزواني موريتانيا، في تقديري، شيئاً يصعب شراؤه بالمال: رصيداً من الثقة.

والسؤال الآن ليس مقدار الثناء الذي يستحقه على ذلك، وإنما: ماذا سنفعل نحن بهذا الرصيد؟

فالسمعة رأس مال، والثقة عملة، والعلاقات أبواب. وأسوأ ما يمكن أن نفعله بباب مفتوح هو أن نقف أمامه نتبادل التهاني لأننا نجحنا في فتحه.

لقد بدأنا في صناعة الاسم. والآن علينا أن نصنع ما يليق به.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى