المهندس أحمد ولد أعمر يكتب : المديونية قراءة في الأرقام !!

انتشر في الأيام الأخيرة رقمٌ لافت: البنك الدولي وافق لموريتانيا، بين 2019 و2026، على تمويلات بقيمة 1.64 مليار دولار،
أي ما يعادل كل ما حصلت عليه البلاد منذ أول قرض سنة 1960. ثم تحوّل الرقم بسرعة إلى عنوان آخر
«سبع سنوات من الاستدانة تعادل ستين سنة».
والفرق بين العنوانين هو بالضبط الفرق بين قراءة الرقم واستعماله.
فانا لست خبيرًا اقتصاديًا، لكنني أعتقد أن زمن الاحتماء بعبارة «هذا ليس اختصاصي» قد ولّى.
ففي عصر الذكاء الاصطناعي والتفكير الرقمي، وفي زمنٍ صارت فيه تقارير صندوق النقد وقواعد بيانات البنك الدولي والدراسات الأكاديمية متاحةً لكل من يريد أن يقرأ، لم يعد لأحدٍ عذرٌ في ألّا يبحث عن الحقيقة بنفسه قبل أن يتبنّى رقمًا أو يردّده. لم يعد الرأي العام رهينةً لمن يملك المعلومة وحده، ولم يعد تضليله أمرًا يسيرًا؛
فالأرقام اليوم تُراجَع في دقائق، والمصادر تُفتح بنقرة. ومن هنا فإن ما أكتبه ليس فتوى اقتصادية، بل محاولةٌ لتوجيه السهام إلى وجهتها الصحيحة، بعيدًا عن المزايدات، ودون اصطفافٍ إلا مع ما تقوله الوثائق.
فهذه المبالغ تمويلات موافَق عليها، وليست أموالًا دخلت الخزينة دفعة واحدة، ولا هي رصيد الدين المستحق.
وأغلبها اعتمادات ميسّرة من المؤسسة الدولية للتنمية تمتد آجالها لعقود، إلى جانب منح لا تُرَدّ أصلًا.
والدليل الأوضح في بيانات البنك نفسه: فبعد ستة وستين عامًا من التعامل، وثلاثة مليارات ومئتين وسبعين مليون دولار من التمويلات الموافق عليها عبر 112 عملية، سدّدت موريتانيا نحو 788 مليونًا، ولا يتجاوز ما تدين به اليوم لهذه المؤسسة 651 مليون دولار. فمن أين جاءت «ديون الستين سنة» إذن؟
ثم إن المقارنة بين دولار الستينيات ودولار اليوم مقارنة غير متكافئة، لأن القيمة الحقيقية للمال تغيّرت، كما تغيّر حجم الاقتصاد الموريتاني نفسه، الذي تقدّره المؤسسات الدولية اليوم بنحو أربعة عشر مليار دولار، مع قيمة حالية للدين العام في حدود 34% من الناتج، دون السقف المرجعي البالغ 55%. وإذا أضفنا تسوية الدين الكويتي سنة 2021، بإلغاء 95% من فوائده المتراكمة وجدولة أصله على عشرين سنة بفائدة رمزية، تتضح صورة دولة تدير التزاماتها لا دولة تغرق فيها.
بل إن تسارع التمويلات، في جانب منه، شهادةٌ لا تهمة.
فموريتانيا استنفدت كامل مخصصاتها الوطنية، ونجحت في الدخول إلى برامج إقليمية في الكهرباء وتخزين الطاقة والربط الرقمي وحماية الساحل، وهي نوافذ لا تُفتح إلا لمن يقدّم ملفات مقنعة. ولا ينبغي أن ننسى أن قفزة 2020 و2021 كانت في جزء كبير منها استجابة لجائحة كورونا، وأن الزيادة تزامنت مع توسيع البنك لموارد المؤسسة الدولية للتنمية عمومًا.
غير أن الإنصاف يقتضي أن نقول ما تقوله الأرقام كاملة.
فإلى نهاية أغسطس 2026 ما يزال أكثر من 805 ملايين دولار من هذه الالتزامات غير مصروف، معظمها في مشاريع الطاقة والرقمنة.
وهذا يعني أن معركة التمويل قد كُسبت، وأن المعركة الحقيقية الآن هي معركة التنفيذ:
أن تتحول الموافقات إلى مشاريع مكتملة، في آجالها، وبأثر يلمسه المواطن في الكهرباء والماء والطريق والخدمة الرقمية.
وهنا لا يكون الدفاع عن الدولة بنفي الدين ولا بتضخيم الإنجاز، بل بأن نطالبها بما تستطيعه:
أن تجعل كل دولار موافَق عليه دولارًا منجَزًا. فهل ننتقل أخيرًا من سؤال «كم اقترضنا؟» إلى سؤال «كم أنجزنا مما مُوِّل لنا؟»
²