تحقيق دولي: صناعة مسحوق السمك تستنزف الثروة البحرية في موريتانيا
سلّط تحقيق دولي نشره مشروع الصحافة الاستقصائية The Outlaw Ocean Project، وتناولته صحيفة Le Monde الفرنسية في 10 أكتوبر، الضوء على توسع صناعة مسحوق وزيت السمك في موريتانيا وغرب إفريقيا، محذراً من آثارها على الثروة البحرية والأمن الغذائي ومصادر دخل المجتمعات الساحلية.
وقال التحقيق إن عشرات المصانع في موريتانيا والسنغال والصحراء الغربية تستغل الموارد السمكية لإنتاج مسحوق يُستخدم في أعلاف الأسماك المستزرعة والماشية، مشيراً إلى أن التوسع في هذه الصناعة يزيد الضغط على المخزونات البحرية ويقلص الكميات المتاحة للاستهلاك البشري، بما ينعكس على الصيادين التقليديين والأسر التي تعتمد على الأسماك مصدراً للغذاء والدخل.
ووفقاً لبيانات جمعها المشروع من تقارير صحفية ووثائق حكومية وسجلات تجارية وقضائية، ارتفع عدد مصانع مسحوق السمك في موريتانيا من ثلاثة مصانع عام 2007 إلى أكثر من 50 مصنعاً نشطاً عام 2024، كما تضاعفت صادرات البلاد من هذه المنتجات بين عامي 2014 و2018.
وأشار التحقيق إلى أن نحو 550 ألف طن من الأسماك السطحية صيدت من المياه الموريتانية خلال عام 2017 لتزويد مصانع مسحوق السمك، وفق تقديرات أوردها المشروع، مضيفاً أن إنتاج هذه المصانع تضاعف ثلاث مرات بحلول عام 2020، رغم إعلان السلطات الموريتانية عام 2017 خططاً للتخلص التدريجي من هذه المنشآت بحلول عام 2020.
وبحسب المشروع، وثّقت قاعدة بياناته ما لا يقل عن 16 مصنعاً موريتانياً لمعالجة السمك وإنتاج الزيت والمسحوق، ارتبطت تقارير بشأنها بمخالفات بيئية واضطرابات اجتماعية، كما رصدت حالات لسفن مورّدة للمصانع يُشتبه في تورطها بممارسات صيد غير مستدامة أو مخالفة للقواعد المعمول بها في المياه الموريتانية.
وأضاف التحقيق أن مراجعة بيانات سفن الصيد المرتبطة بالمصانع أظهرت أن أكثر من اثنتي عشرة سفينة يُرجح أنها مارست الصيد بشباك الجر القاعية خلال الفترة بين عامي 2019 و2024، لمدة إجمالية تجاوزت 4100 يوم، وفق تحليل أجرته مؤسسة مراقبة الصيد البحري Global Fishing Watch، وهي ممارسة يمكن أن تلحق أضراراً بالأنظمة البيئية البحرية وتؤدي إلى اصطياد أنواع غير مستهدفة.
وتحدث التحقيق عن مزاعم بشأن تلويث بعض المصانع للشواطئ والمياه المحيطة بها، وانبعاث روائح ودخان يؤثران في السكان القاطنين بالقرب منها، مشيراً إلى أن أكثر من 56 ألف شخص، بينهم نحو 16 ألف طفل دون الخامسة عشرة، يعيشون على مسافة تقل عن ميل واحد من مصانع مسحوق السمك في موريتانيا، وفق أداة التتبع التي أعدها المشروع.
وفي ما يتعلق بالآثار الصحية، نقل المشروع عن مقابلات أجراها صحفيون مع أكثر من 200 من مديري المصانع والعاملين والصيادين والسكان والمسؤولين الرقابيين في دول بغرب إفريقيا، أن جميع المشاركين الذين شملتهم المقابلات في موريتانيا أفادوا بوجود آثار صحية سلبية مرتبطة بالدخان المنبعث من المصانع، كما استشهد بدراسات تناولت تأثير تصريف مخلفات المصانع في المياه الساحلية بخليج ليفري في نواذيبو.
وأشار التحقيق إلى أن صناعة مسحوق السمك لا توفر بالضرورة مكاسب اجتماعية تتناسب مع حجم آثارها، إذ أظهرت دراسة لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة أن القطاع كان يوظف نحو ألفي شخص في عام 2022، لكن جزءاً كبيراً من الوظائف مؤقت، كما أن بعض العمال في السفن والمصانع من جنسيات أجنبية، وفق دراسة أخرى أوردها المشروع.
وأضاف أن أسعار سمك السردينيلا في موريتانيا ارتفعت من نحو 26 سنتاً إلى 1.60 دولار للكيلوغرام خلال السنوات الأخيرة، وفق تقرير «Track the Fish» الصادر عام 2023 عن منظمة Partner Africa، التي عزت الارتفاع إلى توجه كميات أكبر من الصيد نحو مصانع المسحوق والزيت وأسواق التصدير، حيث تحقق أسعاراً أعلى، بما يقلل المعروض في السوق المحلية.
وفي محاولة للحد من تحويل الأسماك بعيداً عن الاستهلاك البشري، فرضت موريتانيا عام 2021 حصة تلزم بتوجيه ما لا يقل عن خُمس المصطادات إلى التجميد والاستهلاك البشري، بحسب التحقيق، الذي أشار إلى توقف ما لا يقل عن 19 شركة في نواذيبو عن العمل خلال السنوات التالية، فيما أعلنت وزارة الصيد في أغسطس 2025 إغلاق أكثر من 40 مصنعاً لمسحوق السمك.
ولفت المشروع إلى أن جزءاً كبيراً من المنتجات الموريتانية يُصدّر إلى الأسواق الخارجية، إذ تُعد الصين وفيتنام من الوجهات الرئيسية لمسحوق السمك، بينما تتجه منتجات زيت السمك إلى أسواق أوروبية، وفق بيانات أوردها التحقيق عن قطاع التجارة البحرية.
وذكر التحقيق أن بعض السفن المرتبطة بسلاسل التوريد يُشتبه في قيامها بالصيد غير القانوني أو تفريغ حمولاتها في البحر قبل العودة إلى الموانئ، كما أشار إلى أن تتبع بعض السفن يظل صعباً بسبب غياب أرقام التعريف الدولية عن عدد منها أو عدم إدراجها في قواعد البيانات المعنية بمراقبة السفن.
وفي ملف الاستثمارات الأجنبية، تناول المشروع اتفاقاً أُبرم عام 2010 مع شركة Fuzhou Hong Dong Pelagic Fishery الصينية، منحها حق الصيد والتحويل المباشر في منشآتها الخاصة لمدة 25 عاماً، مقابل استثمار معلن بقيمة 100 مليون دولار والتزام بتوفير ألفي وظيفة للموريتانيين، ونقل عن خبير في قطاع الصيد أن الاستثمار الموعود لم يكن قد تحقق حتى عام 2025، فيما أشار إلى أن الاتفاق خضع لتحقيق برلماني بسبب شبهات فساد، وفق تقرير سابق لمنظمة Partner Africa.
ولم يرد في المادة المنشورة تعليق من وزارة الصيد والاقتصاد البحري أو سلطة منطقة نواذيبو الحرة بشأن الاتهامات المتعلقة بالرقابة والتلوث، كما أشار المشروع إلى عدم تلقيه ردوداً من بعض الشركات التي طلب منها التعليق على مزاعم مرتبطة بسفنها أو منشآتها.
ويأتي التحقيق ضمن سلسلة «Food for Feed: The Price Paid Beyond the Plate» التي أعدها The Outlaw Ocean Project، وهو مشروع صحفي استقصائي مقره واشنطن، ونشرته Le Monde في إطار تغطية دولية لتأثير صناعة الأعلاف السمكية على البيئة والاقتصادات المحلية والهجرة في غرب إفريقيا.
