الأخبارالأخبار الدوليةالمقالات

أيُّ الفريقين كان على صواب؟/ محمد ولد الصحه

في طفولتي، وفي لحظة مبكرة من لحظات الوعي بالوقائع المشاهدة، قبل أن أمتلك القدرة على تحليلها أو فهم ما وراءها، ما زلت أستعيد مشهدًا لا يبدو في ظاهره إلا ذكرى عابرة، لكنه كلما تقدمت بي السنون ازداد في ذاكرتي معنى.

كان المكان نخيل كرو، وكان الزمن زمن الكيطنة، وكان التاريخ 10 يوليو 1978.

كانت جماعة من أعيان أهلي متحلقة حول مذياع، تنصت بكل اهتمام إلى المذيع وهو يقرأ البيان رقم 1.

كنت طفلًا لا يعرف من السياسة إلا وجوه الرجال ونبرات أصواتهم. لم أكن أعرف معنى انقلاب، ولا معنى نظام، ولا ما الذي يمكن أن يترتب على بيان يصدر من المذياع. لكنني كنت أرى شيئًا آخر: كنت أرى الوجوه وهي تتلقى الخبر على غير سواء.

كان بعضهم يتغافل عن الفاصل الموسيقي، كأنه لا يريد أن تفوته كلمة واحدة. وما إن انتهى البيان حتى انفض الجمع إلى موقفين متباعدين.

رجل يكرر، في نبرة مشوبة بالخوف:

«إنا لله وإنا إليه راجعون»،

ثم يردف، وكأنه يختصر مأساة كاملة:

«ذيك دولة خسرت».

وفي الجهة الأخرى، كان هناك من تلقى الخبر بحماس ظاهر، واستقبله بتفاؤل شديد، كأن صفحة جديدة من تاريخ البلاد قد فتحت للتو.

كنت عاجزًا عن تحليل الموقفين، لكنني لم أكن عاجزًا عن ملاحظة التنافي بينهما.

لم أفهم يومها لماذا رأى أحدهم في البيان مصيبة، ورآه الآخر بشارة.

ومرت السنون.

كبر الطفل، وكبرت معه البلاد، وتعاقبت عليها أطوار من الحكم والانفتاح والديمقراطية الأولى، بمشاهدها المختلفة: انتخابات ومعارضة وموالاة، آمال وخيبات، ثم عادت البلاد مرة أخرى إلى ذلك السؤال القديم الذي لم أفهمه في طفولتي: ماذا يحدث حين تصبح الدولة معلقة بين أمل الناس في التغيير وخوفهم على ما بقي من بنيانها؟

وفي سنة 2009، وفي الانتخابات التي أعقبت اتفاق دكار، كنت رئيس حملة مسعود في تامشكط.

استدعتنا الحملة إلى لعيون، وحضرنا الاجتماع.

جلس الرئيس مسعود، أطال الله عمره، وتنفس الصعداء بهدوء. كان في ملامحه شيء من الصدق لا يحتاج إلى شرح، ثم قال بعفوية ظاهرة:

«أنا محتار في هذا الأمر، ولكن يظهر لي أن موريتانيا مختطفة من قبل المحمدين: محمد ولد عبد العزيز ومحمد ولد الغزواني، وسابق ما وطيحت منهم، لا جدوى للعمل الانتخابي».

لم تكن تلك الجملة، في ذلك الوقت، مجرد تعليق سياسي عابر.

لقد بدت لي، وأنا أسمعها، كأنها تستدعي من أعماق الذاكرة ذلك المشهد القديم: جماعة حول مذياع، بيان رقم 1، رجل يقول: «إنا لله وإنا إليه راجعون»، وآخر يستقبل الخبر بالتفاؤل.

لكنني هذه المرة لم أكن طفلًا.

كنت رجلًا داخل السياسة، وأعرف شيئًا عن الانتخابات وموازين القوى، وأدرك أن الكلام عن اختطاف الدولة ليس وصفًا عاطفيًا بسيطًا، بل تشخيص لطريقة اشتغال القوة حين تتجاوز المؤسسات.

ثم مرت سنوات أخرى.

وها نحن اليوم أمام مرحلة تبدو فيها المحطات نفسها كأنها تحترق واحدة بعد أخرى، وأمام رئيس يظهر أكثر فأكثر منفردًا في المشهد، بينما تتراجع حوله المساحات التي كانت تتيح للمؤسسات والسياسة والمجتمع أن تتنفس معًا.

هنا تعود إليّ صورة ذلك الطفل.

ليس لأن الطفل كان يفهم ما يجري، بل لأنه رأى ما لم يكن قادرًا على تسميته.

رأى الخوف في وجه رجل، ورأى التفاؤل في وجه آخر.

واليوم، بعد ما يقارب نصف قرن، أصبح السؤال أكثر قسوة:

أيُّ الفريقين كان على صواب؟

هل كان الرجل الذي قال يوم 10 يوليو: «إنا لله وإنا إليه راجعون، ذيك دولة خسرت» يرى ما وراء اللحظة، بينما كان المتحمس للبيان لا يرى إلا فرحة التخلص من واقع ثقيل؟

أم كان المتفائل هو الذي امتلك بصيرة المستقبل، وكان الخائف أسيرًا للخوف من المجهول؟

لا أريد أن أجيب على السؤال بإدانة أحد الرجلين.

فالتاريخ أكثر تعقيدًا من ذلك.

لكن ثمة حقيقة تستحق التأمل: الناس كثيرًا ما يخطئون في قراءة اللحظة السياسية لأنهم يحاكمون الحدث إلى نواياهم، لا إلى مآلاته.

قد يأتي التغيير في صورة خلاص، لكنه لا يكون بالضرورة خلاصًا.

وقد يبدو الدفاع عن النظام القائم دفاعًا عن الجمود، بينما يكون في حقيقته دفاعًا عن فكرة أعمق: أن الدولة ليست شخصًا، وأن إسقاط سلطة لا ينبغي أن يعني إسقاط قواعد تداول السلطة معها.

وهذه هي المسافة الدقيقة بين التغيير والقطيعة؛ بين أن تتغير الحكومة، وأن تتغير قاعدة الحكم؛ بين أن يذهب رجل ويأتي آخر، وأن تنتقل البلاد من منطق الأشخاص إلى منطق المؤسسات.

ولعل أكبر ما تعلمته من تلك الذكرى القديمة أن أخطر ما في السياسة ليس أن يختلف الناس في تقييم الحاضر، وإنما أن يعجزوا عن رؤية المستقبل الكامن في ذلك الحاضر.

ذلك الرجل الذي قال في نخيل كرو سنة 1978: «ذيك دولة خسرت» ربما لم يكن يملك تحليلًا سياسيًا متكاملًا، وربما لم يكن يعرف إلى أين ستذهب البلاد.

لكنه كان يخاف على شيء اسمه الدولة.

وفي المقابل، كان المتفائل بالبيان يرى في سقوط نظام ما فرصة للخلاص.

وبين الرجلين، مضت موريتانيا في نصف قرن من التجربة.

ولذلك لا أستطيع اليوم أن أسمع عبارة «البيان رقم 1» دون أن أتذكر أن التاريخ لا يبدأ بالبيان، بل يبدأ أحيانًا بما لا يقوله البيان.

يبدأ بما يحدث للمؤسسات بعده.

يبدأ بما يحدث لفكرة التداول.

يبدأ بالسؤال: هل السلطة ملك لمن يجلس عليها، أم أمانة مؤقتة تنتقل من يد إلى يد؟

ويبدأ، قبل ذلك كله، من تلك المسألة البسيطة التي لم أكن أفهمها وأنا طفل:

لماذا خاف رجل وفرح رجل؟

لقد احتجت إلى سنوات طويلة لأدرك أن الاثنين لم يكونا يختلفان فقط على خبر سمعاه من المذياع.

كانا يختلفان على ما إذا كانت الدولة أقوى من الحاكم، أم أن الحاكم أقوى من الدولة.

واليوم، بعد كل هذه السنين، لا أجد السؤال قد مات.

بل أراه أكثر حضورًا من أي وقت مضى:

أيُّ الفريقين كان على صواب؟

ذلك الذي استبشر بالبيان لأنه رأى فيه نهاية لمرحلة؟

أم ذلك الذي خاف، لأنه أدرك أن الدولة إذا خسرت مرة قدرتها على حماية قواعدها، فقد تحتاج أجيالًا حتى تستعيدها؟

ربما لا يجيب التاريخ دفعة واحدة.

إنه يجيب ببطء.

والأجيال وحدها هي التي تسمع الجواب كاملًا.
الاستاذ محمد الصحه ديدي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى