إصلاح التعليم في موريتانيا: ضرورة وطنية ومسؤولية مشتركة

لم يعد الحديث عن أزمة التعليم في موريتانيا ترفًا نخبويًا أو نقاشًا نظريًا، بل أصبح ضرورة وطنية تفرضها الحقائق اليومية، وتقتضيها متطلبات التنمية والاستقرار.
يعيش هذا القطاع منذ سنوات طويلة على وقع التجريب والارتجال، في غياب رؤية واضحة وتخطيط بعيد المدى، مما جعله يتحول إلى أحد أبرز مظاهر الفشل المؤسسي.
ورغم تعدد الوعود السياسية بإصلاحه، بقيت معظمها حبراً على ورق، وغالبًا ما اصطدمت بحواجز الفساد، وسوء الحكامة، وتدوير المناصب على أسس لا علاقة لها بالكفاءة أو النزاهة.
واقع التعليم: أزمة بنيوية ومخرجات هزيلة
من أبرز مظاهر أزمة التعليم في موريتانيا:
ضعف البنية التحتية للتعليم الأساسي والثانوي والعالي
نقص الكادر التربوي المؤهل وانعدام التكوين المستمر
تراجع المستوى الأكاديمي للمتعلمين
غياب العدالة في التحفيز والترقيات
ارتفاع نسب التسرب المدرسي والهدر التربوي
مناهج دراسية غير متكيفة مع حاجيات سوق العمل
هذه المظاهر مجتمعة، وضعت البلاد في مؤخرة التصنيفات الإقليمية والدولية في مؤشرات جودة التعليم.
لماذا نحتاج إلى إصلاح جذري للتعليم؟
التعليم هو حجر الزاوية في أي مشروع نهضوي.
وفي الحالة الموريتانية، بات الإصلاح الجاد للتعليم شرطًا وجوديًا للتنمية والاستقرار.
أبرز دواعي الإصلاح:
تحقيق العدالة الاجتماعية عبر تمكين الفئات الهشة
رفع الإنتاجية الوطنية من خلال تكوين رأس مال بشري مؤهل
تعزيز قيم المواطنة والتعايش
تمكين الشباب من ولوج سوق العمل بمهارات حقيقية
استعادة الثقة في المدرسة الوطنية
شروط ومداخل إصلاح فعلي
أي إصلاح ناجح يتطلب رؤية شاملة، وليس مجرد ترقيعات إدارية.
وهذه أبرز المداخل الأساسية:
1. الحوكمة والشفافية
إعادة هيكلة القطاع وتحديد المسؤوليات، ومحاربة الزبونية والتسيير العشوائي.
2. تثمين الموارد البشرية
تحسين ظروف المعلم ماديًا ومهنيًا، وربط الأداء بالتحفيز والترقية.
3. مراجعة الخريطة المدرسية
التوسع الأفقي العشوائي أضعف الجودة، ويجب عقلنته وفق معايير الكفاءة والحاجة الفعلية.
4. تحيين البرامج والمناهج
اعتماد مناهج مرنة، تركز على المهارات والتفكير النقدي، مع دمج التكنولوجيا الحديثة.
5. تمويل مستدام
رفع الميزانية المخصصة للتعليم وجعلها أولوية في السياسات العمومية.
الدكتورة هدى باباه: كفاءة وطنية ومشروع إصلاحي واعد
في سياق هذا المشهد المأزوم، تبرز الدكتورة هدى باباه كأحد الوجوه الإصلاحية التي تستحق الثقة والدعم.
فهي تتمتع بـ:
كفاءة علمية وإدارية رفيعة
نظافة اليد واستقلالية القرار
معرفة دقيقة بمكامن الخلل داخل القطاع
وقد بدأت بالفعل باتخاذ خطوات عملية، من بينها:
تنظيم التحويلات والترقيات بشكل عادل
تسوية المظالم المهنية للمدرسين
التخطيط لإعادة رسم الخريطة المدرسية وفق الحاجيات الواقعية
التصدي لعمليات الاكتتاب غير الشفافة التي أدت إلى تمييع الكفاءة
إن من شأن منحها الوقت والدعم والصلاحيات أن يُشكل بداية حقيقية لإصلاح طال انتظاره.
خاتمة
التعليم هو معركة الوعي والكرامة والاستقلال الحقيقي.
وإذا كانت موريتانيا تريد أن تضع قدمها على سكة المستقبل، فلا طريق إلى ذلك إلا عبر مدرسة وطنية قوية، عادلة، وجاذبة.
ودعم كفاءات وطنية مثل الدكتورة هدى باباه، لا يُعد فقط اختيارًا إداريًا موفقًا، بل رسالة سياسية مفادها أن موريتانيا قادرة على الإصلاح حين تتوفر الإرادة.