الأخبارالأخبار الدولية

صحفي تشادي: النموذج الأمني الموريتاني من أنجح التجارب في الساحل

قال الصحفي التشادي والمهتم بالشأن الإفريقي، إسحاق عبد الرحمن، إن الحفاظ على مستوى الاستقرار الأمني في موريتانيا داخل منطقة الساحل التي تشهد اضطرابات متصاعدة، يعود إلى جملة من العوامل المتداخلة، في مقدمتها إدراك مبكر لطبيعة التهديدات الإرهابية، والتحول من المقاربة الأمنية التقليدية إلى مقاربة استباقية متعددة الأبعاد.

 

وأوضح عبد الرحمن، خلال مداخلة له في النشرة المسائية على قناة TTV، أن الدولة الموريتانية، عقب الهجمات الإرهابية التي شهدتها البلاد بين 2005 و2011، اتخذت سلسلة من الإجراءات الاستراتيجية، شملت تعزيز قدرات الجيش والأجهزة الأمنية، وتطوير العمل الاستخباراتي، وإعادة تنظيم الوحدات العسكرية بما يتناسب مع طبيعة التهديدات الجديدة، التي لم تعد تقليدية أو محدودة النطاق.

 

غير أن العامل الأبرز في تقديره، بحسب مداخلته، يتمثل في أن موريتانيا لم تعتمد على البعد العسكري وحده، بل تبنت مقاربة شاملة جمعت بين الأمن والعمل الديني والاجتماعي، من خلال الحوار مع بعض التيارات الفكرية، وإشراك رجال الدين والمشايخ وجمعيات المجتمع المدني والفاعلين الاقتصاديين، في إطار مقاربة تهدف إلى تحصين الجبهة الداخلية.

 

وأشار إلى أن طبيعة التهديدات في منطقة الساحل تغيرت بشكل جذري خلال السنوات الأخيرة، مقارنة بما كانت عليه في منتصف العقد الأول من الألفية، حيث كانت الجماعات المسلحة أقل عددا وأضيق انتشارا، بينما أصبحت اليوم أكثر تشعبا وتنظيما وارتباطا بشبكات إقليمية وعابرة للحدود، ما جعل المنطقة تُصنف من بين أكثر بؤر الإرهاب خطورة في العالم.

 

وأضاف أن هذه الجماعات لم تعد محصورة في رقعة جغرافية محددة، بل توسع نفوذها إلى عدة دول في الساحل وغرب إفريقيا، مستفيدة من هشاشة بعض الأنظمة، والظروف الاقتصادية الصعبة، واتساع رقعة الفقر والبطالة، إضافة إلى الطبيعة الصحراوية المفتوحة التي تصعب السيطرة الأمنية الكاملة عليها.

 

وفي ما يتعلق بالحدود، اعتبر أن موريتانيا تواجه تحديا حقيقيا بحكم امتدادها الجغرافي مع دول تعيش أوضاعا أمنية مضطربة، خصوصا مالي، حيث تسجل توترات متكررة في المناطق الحدودية، ما يرفع من احتمالات تسلل الجماعات المسلحة، رغم الجهود الأمنية المبذولة لتأمين تلك المناطق.

 

كما أشار إلى أن التهديدات لم تعد تقتصر على الجانب العسكري فقط، بل أصبحت تشمل جماعات متنازعة فيما بينها، مثل تنظيمات تنشط في الساحل وحوض بحيرة تشاد وغرب إفريقيا، ما يزيد من تعقيد المشهد الأمني ويضاعف عدد الضحايا المدنيين بسبب توسع رقعة الاشتباكات داخل مناطق مأهولة بالسكان.

 

وفي قراءته للنموذج الموريتاني، قال إنه يُعد من التجارب الأمنية البارزة في منطقة الساحل، وقد أصبح محل اهتمام عدد من الدول التي تسعى إلى الاستفادة من خبراته، سواء في المجال الاستخباراتي أو في المقاربة التي تجمع بين الأمن والتنمية والخطاب الديني المعتدل.

 

غير أنه شدد في المقابل على أن هذا النموذج، رغم نجاحه النسبي، لا يمكن اعتباره نموذجا نهائيا أو محصنا بشكل دائم، بل يحتاج إلى تحديث مستمر لمواكبة التحولات المتسارعة في طبيعة التهديدات، خاصة مع تغير مفهوم الإرهاب وتوسع مجالاته وأدواته.

 

وأضاف أن بعض الدول، بما فيها دول خارج القارة الإفريقية، بدأت بالفعل في دراسة التجربة الموريتانية والاستفادة منها، غير أن الفوارق بين البيئات تفرض دائما ضرورة التكييف وعدم النقل الحرفي للتجارب الأمنية.

 

وختم بالتأكيد على أن موريتانيا نجحت في بناء تجربة أمنية “مهمة ومستدامة نسبيا”، لكنها مطالبة بمواصلة تطويرها وتحيينها بشكل دائم، لأن الأمن في منطقة الساحل، بحسب تعبيره، لم يعد حالة ثابتة، بل أصبح مسارا متغيرا يتطلب يقظة مستمرة ومراجعة دائمة للأدوات والمقاربات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى