الأخبارالأخبار الدولية

120 صحفيًا وثلاثة أسئلة.. كواليس مؤتمر الغزواني

بعد صلاة المغرب من مساء الجمعة، بدأت جموع من الصحفيين والمدونين تتقاطر فرادى وجماعات على القصر الرئاسي في نواكشوط؛ الجميع على موعد مع الرئيس في أول لقاء مصور مع الإعلام المحلي منذ ست سنوات.

ترجل المدعوون في ساحة الحرية، حيث تركوا سياراتهم، وعند البوابة الرئيسية لقصر الرئاسة، دقق عناصر الحرس الرئاسي في أسمائهم، عبر لوائح يبحثون فيها عن الإسم دون أن يطلبوا أي إثبات للهوية، ثم يرحبون بهم بلطف بارد.

بعد عبور البوابة الرئيسية، تواجه المدعوون مباشرة مع مبنى القصر الرئاسي الرمادي الشهير، ولكن أحد أفراد الحرس الرئاسي طلب منهم الاستدارة لليسار، ليعبروا حديقة القصر عبر ممر حجري طويل يقود إلى ساحة رفع العلم، أمام إحدى أهم الفيلات في المحيط الرئاسي.

لا هواتف.. ولا غالب إلا الله

عند بوابة الفيلا تدقيق في الأسماء للمرة الثانية، ثم تفتيش أمني صارم، سلم بعده جميع المدعوين هواتفهم لتوضع في أظرف ورقية تحمل أرقامًا تسلسلية، تُسترد بها بعد نهاية المؤتمر الصحفي.

بعد تسليم الهواتف، قاد عناصر الحرس الرئاسي الحضور نحو قاعة انتظار فسيحة، طُليت جدرانها بتدرجات هادئة بين الزهري والأصفر والرملي.

فوق اثنتين من بوابات القاعة، كُتبت بخط أندلسي عتيق عبارة «ولا غالب إلا الله»؛ شعار بني الأحمر آخر حكام غرناطة.

أما في منتصف القاعة، فتنتصب أسطوانتان خرسانيتان تحمل كل منهما رأس غزال بري محنط، يحدق في الفراغ، ويكاد يخترق السقف بقرونه الملتوية.

إلى جوار الأسطوانتين، امتدت طاولة حافلة بالمكسرات والحلوى، وأخرى للمشروبات، بينما توزعت طاولات كوكتيل مرتفعة بلا كراسي، على طريقة استراحات القهوة السريعة.

غير أن الوقوف هنا لم يكن خاطفًا؛ إذ امتد لأكثر من ساعة، اضطر خلالها بعض الصحفيين لأداء صلاة العشاء في زاوية القاعة تحت أنظار غزال محنط، بينما تزاحم آخرون على كراسي معدودة في جوانب القاعة.

طوال تلك الساعات، ظل الغموض سيد الموقف؛ أسئلة تتناقل من صحفي لآخر حول موعد انطلاق المؤتمر وتفاصيل إدارته، ولكن لا أحد كان يملك إجابة.

في انتظار الرئيس

بعد ساعة ونصف من الانتظار، حان وقت الانتقال إلى قاعة المؤتمر؛ قاعة لا تبعد سوى أمتار قليلة، لكنها أصغر بكثير من صالة الانتظار.

في تلك الأمتار المتبقية، تدافع أكثر من مائة شخص، ما أربك عناصر الحرس وهم يطالبون بالهدوء، لكن سباق المقاعد الأمامية — الأقرب لنظرات الرئيس والأوفر حظًا لنيل فرصة السؤال — كان أقوى من التعليمات.

ضمت القاعة أكثر من 120 مقعدًا أُعيد ترتيبها في أربعة أرباع تضم خمسة صفوف، ومع ذلك اضطر الفريق الإعلامي لإدخال مقاعد إضافية لمدعويين بقوا واقفين؛ ما كشف أن العدد النهائي للحضور لم يكن معروفًا حتى لدى المنظمين أنفسهم.

في منتصف القاعة، أُقيمت منصة ترتفع نصف متر عن الأرض، تُزين أطرافها باقات من الورود، ويتصدرها مكتب رئاسي من الخشب الأحمر الفاخر، خلفه كرسي أسود وثير، وعن يمينه العلم الوطني، فيما زُينت الخلفية بشاشة ضخمة تحمل ختم الدولة وشعار الجمهوريه: (شرف – إخاء – عدل).

على ناصية القاعة، وقف المدير العام للوكالة الموريتانية للأنباء، محمد تقي الله الأدهم، متأهبًا لإدارة الجلسة، بينما من خلف ستار كان يقف المندوب العام لمندوبية (تآزر)، سيدي ولد مولاي الزين، ليعطي التوجيهات من بعيد.

قبل وصول الرئيس، قال تقي الله الأدهم إنه “في مؤتمر بهذا الحجم، سنبدأ بتوطئة لرئيس الجمهورية بين 5 إلى 10 دقائق، ثم نفتح الباب لأسئلة الحضور بمعدل سؤال واحد لكل متدخل”، مضيفًا أن الفرص ستُتاح بشكل عفوي لاستيعاب أكبر قدر ممكن.

بعد نصف ساعة أخرى من الانتظار، همس ولد مولاي الزين في أذن تقي الله، ليعود الأخير معلنًا أن الرئيس تلقى اتصالات خارجية هي سبب تأخر انطلاق المؤتمر. وما هي إلا دقائق حتى أطل الرئيس بنفسه، قدم اعتذاره عن التأخير دون أن يخوض في أسبابه.

الأسئلة الثلاثة

رغم امتداد المؤتمر لنحو ثلاث ساعات وطرح 14 سؤالاً، وحضور أكثر من 120 صحفيا ومدونًا، يمكن القول إن المؤتمر انتهى بثلاثة أسئلة ستبقى هي وأجوبتها عالقة في أذهان الموريتانيين، ولا شك أنها لم تُفاجئ الرئيس لكونها الأكثر إلحاحًا في الشارع الموريتاني.

على الرغم من إشارة الرئيس في كلمته الافتتاحية إلى أن الهدف هو استعراض مشروعه المجتمعي القائم منذ 2019، إلا أن المؤتمر بدأ من حيث توقفت الأحداث السياسية في البلد، فكان سؤالًا ساخنًا يعيد النقاش حول المأمورية الثالثة.

ظهر الرئيس حذرًا في إجابته، متحاشيًا فخاخ المأزق السياسي، ومستعيدًا ورقة (التشويش) التي رفعها في وجه طامحي الرئاسة قبل عام، معتمدًا غموضًا يُبقي كل السيناريوهات مفتوحة.

أم السؤال الثاني الأكثر سخونة، حيث طرح على طاولة الرئيس ملفات الفساد، والإفلات من العقاب وصفقات التراضي، وهو سؤال حصل على أطول رد خلال المؤتمر، إذ عاد إليه الرئيس مرارًا محاولًا تفنيده نقطة بنقطة، وحتى حين حاول مدير الجلسة تجاوز السؤال عدة مرات، أصر الرئيس على استكمال إجابته.

أما السؤال الثالث المتعلق بقانون الرموز الثقيل والمرفوض سياسيًا وشعبيًا. هنا بدت إجابة الرئيس منفعلة بصدق، وتجلى تألمه مما وصفه بـ “تدني مستوى النقاش العام”. لم يُبدِ الرئيس نية للتراجع عن القانون أو تعديله، وإن كان قد ختم رده بتأكيد أن باب الحوار يظل مفتوحًا أمام كل القضايا، بما فيها هذا القانون.

خرج الرئيس من المؤتمر الصحفي بتسجيل نقاط انتصار عديدة، مبديًا انفتاحه على تكرار تجربة المؤتمر الصحفي عدة مرات لو طلب منه ذلك، نافيًا عن نفسه تهمة سابقة متكررة حول تفضيله للإعلام الأجنبي، وخاصة الغربي.

ولكن اللافت في هذا المؤتمر الصحفي هو أن نصف الأسئلة (7 من أصل 14) ذهبت لصالح الإعلام العمومي (الوكالة، القناة الموريتانية، والإذاعة). بل إن الصدمة الأكبر للحاضرين تمثلت في أن عضوين من المكتب الإعلامي للرئاسة طرحا أسئلة على الرئيس، حيث بدا الأمر وكأن الرئاسة تسأل نفسها!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى