الأخبارالأخبار الدولية

موريتانيا تزرع أكثر… فهل تكسب أكثر؟ د. مولاي ولد أب ولد أكيك

يمثل القطاع الزراعي أحد المجالات الاستراتيجية في موريتانيا بالنظر إلى دوره في تعزيز الأمن الغذائي، وخلق فرص العمل، وتنمية المناطق الريفية، والمساهمة في تنويع الاقتصاد الوطني.
ورغم ما تتوفر عليه البلاد من إمكانات زراعية مهمة، فقد ظل القطاع لعقود يواجه تحديات هيكلية مرتبطة بالظروف المناخية، ومحدودية الموارد المائية، وضعف البنية التحتية، ومحدودية حلقات التخزين والتحويل والتسويق، مما جعل مساهمته الاقتصادية أقل من إمكاناته الفعلية، ورسخ اعتماداً مهماً على الواردات لتغطية جزء كبير من الاحتياجات الغذائية.
وقد عرفت موريتانيا منذ الاستقلال محاولات متعددة للنهوض بالقطاع، ركزت أساساً على استصلاح الأراضي، وتطوير الزراعة المروية، وإنشاء المنشآت المائية، ودعم الإنتاج. وأسهمت هذه الجهود في بناء قاعدة إنتاجية مهمة، لكنها ظلت تواجه صعوبات مرتبطة بضعف التكامل بين مختلف حلقات القطاع.
وخلال السنوات الأخيرة، برز تحول تدريجي في النظرة إلى الزراعة، فلم تعد تُعامل باعتبارها نشاطاً موسمياً محدوداً، بل أصبحت جزءاً من رؤية أوسع تقوم على تعزيز السيادة الغذائية، وتنويع مصادر النمو، وربط الإنتاج الزراعي بالصناعة والخدمات والأسواق.
ويعكس هذا التحول انتقالاً من التركيز على زيادة الإنتاج إلى بناء اقتصاد زراعي قادر على خلق القيمة المضافة.
أولاً: تحول السياسة الزراعية والاستثمار العمومي
شهدت السياسة الزراعية خلال المرحلة الأخيرة تحولاً في طبيعة التدخل العمومي، حيث انتقلت تدريجياً من التركيز على دعم الحملات الزراعية ومعالجة الاختلالات الظرفية إلى الاستثمار في البنية الإنتاجية طويلة الأمد.
ويتمثل جوهر هذا التحول في أن نجاح القطاع لم يعد يقاس فقط بحجم المحاصيل المنتجة، بل بقدرته على:
• تحسين إنتاجية الهكتار؛
• تقليص الاعتماد على الواردات؛
• رفع دخل المنتجين؛
• تطوير الصناعات الغذائية؛
• خلق فرص العمل؛
• تعزيز القدرة التنافسية للمنتجات الوطنية.
وقد رافق هذا التحول ارتفاع في الموارد الموجهة للقطاع الزراعي، سواء من خلال الميزانية العامة أو عبر المشاريع المنفذة بالشراكة مع المؤسسات المالية والتنموية.
الرسم البياني (1): تطور ميزانية وزارة الزراعة والسيادة الغذائية

ولا تمثل هذه الاعتمادات سوى الجزء المباشر من الإنفاق الزراعي، إذ تضاف إليها الاستثمارات المرتبطة بالبنية التحتية المائية، والتنمية الريفية، ومساهمات الشركاء الفنيين والماليين.
وتكمن أهمية هذه الموارد في تغير طبيعة استخدامها، حيث أصبحت توجه بدرجة أكبر نحو:
• استصلاح الأراضي؛
• تطوير شبكات الري؛
• تأهيل المنشآت المائية؛
• دعم المكننة؛
• تحسين الخدمات الزراعية؛
• تطوير البنية المرافقة للإنتاج.
غير أن حجم الإنفاق لا يمثل معيار النجاح الوحيد؛ فالعبرة الأساسية تكمن في قدرة هذه الاستثمارات على رفع الإنتاجية وتحقيق عائد اقتصادي مستدام.

ثانياً: النتائج بالأرقام
تعكس المؤشرات الأخيرة تحسناً واضحاً في الأداء الكمي للقطاع الزراعي، نتيجة تضافر عوامل متعددة، من بينها زيادة الاستثمار، وتوسع المساحات المستغلة، وتحسن توفر المدخلات، وتطور المكننة والبنية المائية.
غير أن هذا التطور يحتاج إلى قراءة متوازنة؛ فزيادة الإنتاج تمثل تقدماً مهماً، لكنها لا تعني بالضرورة اكتمال التحول الزراعي، لأن التحدي المقبل يتمثل في تحسين الكفاءة والإنتاجية وليس فقط توسيع النشاط.
1. تطور الإنتاج الزراعي 
تُظهر الأرقام التطور التصاعدي لإنتاج الحبوب في موريتانيا، حيث ارتفع من 340 خلال الموسم الزراعي 2019-2020 إلى 730 ألف طن في الموسم 2025-2026، أي بأكثر من الضعف، بما يعكس تحسنًا ملحوظًا في الأداء الزراعي وتعاظم القدرة الإنتاجية للحبوب.
الرسم البياني (2): تطور الإنتاج الزراعي من الحبوب 
                                                                                                                                                                      الوحدة: ألف طن
     
يبرز هذا التطور في القدرة الإنتاجية للقطاع الحاجة إلى الانتقال من نمو يعتمد جزئياً على التوسع في المساحات إلى نمو قائم على رفع مردودية الأرض والمياه.
.2  الأرز: تقدم ملحوظ وتحدي التنافسية
يظل الأرز أهم شعبة في الزراعة المروية في موريتانيا، بالنظر إلى ارتباطه بالأمن الغذائي وبالطلب المحلي.
وقد استفادت هذه الشعبة من:
• توسع المساحات المستصلحة؛
• تحسين شبكات الري؛
• تطور المكننة؛
• دعم المدخلات الزراعية.
وقد سجل إنتاج الأرز اتجاهًا تصاعديًا واضحًا خلال الفترة المدروسة، حيث ارتفع من نحو 255 ألف طن في الموسم الزراعي 2019-2020 إلى حوالي 550 ألف طن في 2025-2026، أي بزيادة تقارب 115%. وهو ما يعكس تحسنًا ملحوظًا في القدرة الإنتاجية لزراعة الأرز.
لكن التحدي الرئيسي لم يعد مرتبطاً فقط بزيادة الإنتاج، وإنما بقدرة الأرز المحلي على المنافسة من حيث التكلفة والجودة، وهو ما يتطلب تطوير حلقات التجفيف والتخزين والتقشير والتعبئة.
.3  الخضروات: تحسن ملموس وتقليص تدريجي للواردات
شهد إنتاج الخضروات نموًا قويًا خلال السنوات الأخيرة، حيث ارتفع من نحو 46 ألف طن سنة 2019 إلى حوالي 255 ألف طن، بزيادة تقارب 454%، ليبلغ بذلك أكثر من خمسة أضعاف مستواه المسجل في بداية الفترة.
وساهم هذا التطور في رفع نسبة تغطية الطلب الوطني من الخضروات إلى حوالي 46%.
ورغم أهمية هذا التحسن، فإن تطوير هذه الشعبة يبقى مرتبطاً بمعالجة تحديات التخزين والتبريد والتسويق وتقليل خسائر ما بعد الحصاد.
ثالثاً: مشروع النهضة الزراعية وسلاسل القيمة
يمثل مشروع النهضة الزراعية أحد أبرز التحولات في المقاربة الزراعية الموريتانية خلال المرحلة الأخيرة، بالنظر إلى حجمه وطبيعة النموذج الذي يستهدف إرساءه. فالمشروع لا يقتصر على استصلاح الأراضي وزيادة الإنتاج، وإنما يتجه إلى تطوير قطب زراعي متكامل في ولاية اترارزة، يمتد على مساحة تقارب 800  ألف هكتار، ويجمع بين البنية التحتية الزراعية، والاستثمار، والإنتاج، والخدمات المرتبطة به.
وتستند أهمية المشروع إلى مجموعة من المقومات، أبرزها الموقع الزراعي الاستراتيجي للمنطقة، وتوفر الأراضي القابلة للاستصلاح، والقرب من مصادر المياه، والخبرة المتراكمة في الزراعة المروية، فضلاً عن اتساع السوق المحلية وإمكانات النفاذ إلى الأسواق الإقليمية. كما يمكن لتطوير البنية التحتية والخدمات المشتركة أن يعزز جاذبية المنطقة للاستثمار ويخلق أنشطة اقتصادية تتجاوز الإنتاج الزراعي المباشر.
غير أن هذه المقومات لا تعني أن نجاح المشروع مضمون. فحجمه يفرض تحديات تتعلق باستدامة الموارد المائية وكفاءة استخدامها، ووضوح الإطار العقاري والاستثماري، وقدرة القطاع الخاص على الدخول في مشاريع طويلة الأجل، فضلاً عن ضرورة اختيار المحاصيل والأنشطة وفق معايير الجدوى الاقتصادية والميزة التنافسية. كما أن إدماج صغار المنتجين في المنظومة يمثل عاملاً مهماً لضمان اتساع الأثر الاقتصادي والاجتماعي للمشروع.
يبرز تحدٍ آخر لا يقل أهمية يتعلق بسرعة تحويل الإنتاج إلى قيمة مضافة. فالتوسع في الإنتاج لن تكون له آثاره الاقتصادية الكاملة إذا لم تواكبه قدرة كافية على التخزين والتحويل والتعبئة والنقل والتسويق. ومن هنا فإن نجاح النهضة الزراعية ينبغي أن يُقاس تدريجياً ليس فقط بالمساحات المستصلحة، وإنما أيضاً بالمساحات المستغلة فعلياً، وإنتاجية الهكتار، وكفاءة استخدام المياه، وحجم الاستثمار الخاص، والقيمة المضافة المتولدة، وفرص العمل، وقدرة المنتجات على الوصول إلى الأسواق.
وبذلك، فإن الرهان الحقيقي للنهضة الزراعية يتمثل في الانتقال من استصلاح الأرض إلى استدامة استغلالها، ومن زيادة الإنتاج إلى رفع مردوديته، ومن بيع المنتجات الأولية إلى بناء أنشطة اقتصادية حولها. وإذا نجح المشروع في تحقيق هذا التكامل، فإنه يمكن أن يتحول من مشروع زراعي واسع إلى إحدى ركائز التحول الاقتصادي في البلاد؛ أما إذا اقتصر على توسيع المساحات دون ضمان الإنتاجية والاستثمار والأسواق والاستدامة المائية، فإن حجم المشروع قد لا ينعكس بالضرورة في حجم أثره الاقتصادي.
سلاسل القيمة الزراعية: من الإنتاج إلى القيمة المضافة
يمثل تطوير سلاسل القيمة الحلقة الطبيعية التالية في هذا المسار. فارتفاع الإنتاج الزراعي لا يضمن بالضرورة ارتفاع العائد الاقتصادي إذا بقيت المنتجات تواجه اختناقات في التخزين أو التحويل أو التسويق. ولذلك يتجه تطوير القطاع إلى تقوية الروابط بين مختلف مراحل السلسلة:
الإنتاج ß التجميع والفرز ßالتخزين والحفظ ß التحويل ß التعبئة والتسويق ß الأسواق.
وفي هذا الإطار، تبرز ثلاث مجالات رئيسية للتدخل:
أولاً، التخزين وتقليص خسائر ما بعد الحصاد: من خلال تطوير مخازن الحبوب، ومرافق التبريد، ومراكز التجميع، وتحسين النقل، بما يحد من تلف المنتجات ويسمح للمنتجين بتسويقها في ظروف أفضل.
ثانياً، التصنيع الزراعي: عبر تحسين تقشير وتعبئة الأرز، وتصنيع الخضروات، وإنتاج الأعلاف، وتطوير الصناعات الغذائية المرتبطة بالمنتجات المحلية. وتكتسب هذه الحلقة أهمية خاصة لأنها تسمح بتحويل جزء أكبر من الإنتاج إلى قيمة مضافة محلية، بدلاً من تسويقه في صورته الأولية.
ثالثاً، الربط بالأسواق: من خلال تطوير التعاونيات المهنية الفعالة، والشراكات بين المستثمرين والمنتجين، وتحسين المعلومات المتعلقة بالأسعار والأسواق. فالقدرة على إنتاج المحصول لا تكتمل اقتصادياً إلا بالقدرة على تسويقه بصورة منتظمة ومربحة.
رابعاً: تقييم التحول الزراعي
تكشف المؤشرات المتاحة عن تحول ملموس في القطاع الزراعي خلال السنوات الأخيرة، تمثل في ارتفاع الاستثمارات، وتوسع الإنتاج، وتحسن أداء عدد من الشعب، وظهور مشاريع ذات طابع استراتيجي، إلى جانب انتقال السياسة الزراعية تدريجياً نحو مقاربة أكثر ارتباطاً بالإنتاجية والاستثمار والقيمة المضافة.
غير أن هذا التقدم الكمي لم يتحول بعد بصورة كاملة إلى تحول هيكلي في أداء القطاع. فما يزال رفع إنتاجية الهكتار وتحسين كفاءة استخدام المياه تحدياً أساسياً، فيما تحد محدودية التصنيع والخدمات اللوجستية من قدرة الاقتصاد على الاستفادة الكاملة من زيادة الإنتاج. كما يظل توسيع مشاركة القطاع الخاص وإقامة روابط أكثر استقراراً بين المستثمرين والمنتجين شرطاً مهماً لتحويل النشاط الزراعي إلى منظومة اقتصادية أكثر تنافسية.
ويبرز إلى جانب ذلك تحدي الحوكمة والبيانات، إذ يحتاج التخطيط الزراعي إلى معلومات أكثر انتظاماً حول المساحات والإنتاجية وتكاليف الإنتاج واستهلاك المياه والأسواق وعوائد الاستثمارات، بما يسمح بتحسين تخصيص الموارد وقياس نتائج السياسات والمشاريع على أساس منتظم.
وعليه، فإن المسألة لم تعد تتمثل في قدرة موريتانيا على زيادة الإنتاج، فقد أظهرت السنوات الأخيرة تقدماً واضحاً في هذا المجال، وإنما في قدرتها على تحويل هذا النمو إلى إنتاجية أعلى، وقيمة مضافة أكبر، وقدرة تنافسية مستدامة.
خلاصة
تضع التحولات الأخيرة الزراعة الموريتانية أمام مرحلة جديدة؛ فقد توسعت القاعدة الإنتاجية، وارتفع حجم الاستثمار، وبرزت مشاريع ذات طموح كبير، وأصبح تطوير القطاع أكثر ارتباطاً بالتنويع الاقتصادي والسيادة الغذائية.
لكن القيمة الحقيقية لهذه الديناميكية ستتحدد بمدى قدرة موريتانيا على تحويل الاستثمارات والموارد المتاحة إلى نتائج اقتصادية مستدامة.  فالمعيار النهائي ليس حجم الأراضي المستصلحة أو كمية المحاصيل المنتجة فحسب، وإنما ما تولده هذه الموارد من إنتاجية وقيمة مضافة ودخل وفرص عمل وقدرة على المنافسة.
ومن هذا المنظور، تمثل المرحلة المقبلة اختباراً لقدرة القطاع على الانتقال من التوسع الكمي إلى الكفاءة الاقتصادية، ومن الإنتاج الزراعي إلى اقتصاد زراعي أكثر تكاملاً، بحيث تصبح الزراعة رافعة فعلية لتنويع الاقتصاد وتقليص التبعية الغذائية، لا مجرد قطاع ينتج كميات أكبر من المحاصيل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى