فضيحة تهز ألمانيا.. توقيف الرئيس الأسبق لـ«BND» بعد تسريب نحو 2000 وثيقة سرية عن إيران وروسيا مقابل المال

فتحت ألمانيا تحقيقاً أمنياً واسعاً في واحدة من أخطر قضايا التجسس التي شهدها جهاز الاستخبارات الخارجية الألماني في السنوات الأخيرة، بعد توقيف الرئيس الأسبق لجهاز «BND» أوغست هانينغ، إلى جانب موظف سابق رفيع المستوى في الجهاز، للاشتباه في الحصول على معلومات سرية وتمريرها إلى جهات أجنبية واستخدام بعضها في أعمال استشارية خاصة.
وأعلنت النيابة الفدرالية الألمانية أن عناصر من المكتب الفدرالي للشرطة الجنائية أوقفوا هانينغ ومانفريد د. في السادس من أكتوبر، بالتزامن مع عمليات تفتيش في أماكن مرتبطة بهما في بافاريا وشمال الراين وبرلين. ويواجه هانينغ اتهامات تشمل التجسس الخياني، واستكشاف أسرار الدولة، ومحاولة الخيانة، والعمل لحساب جهاز استخبارات أجنبي، بينما يواجه مانفريد د. اتهامات بالمساعدة في محاولة الخيانة والتجسس
نحو ألفي وثيقة.. وقنوات استخباراتية داخلية
بحسب النيابة، تعود بداية القضية إلى عام 2010، عندما اتفق الرجلان، وفق نتائج التحقيق الأولية، على أن يزوّد مانفريد د. هانينغ بصورة مستمرة بمعلومات استخباراتية ذات قيمة مقابل مبالغ مالية.
وكان مانفريد د. قد عمل مديراً لمكتب هانينغ عندما كان الأخير رئيساً لـ«BND» بين 1998 و2005، ثم عاد للعمل في الجهاز منذ 2012 وحتى مارس 2026، ما أتاح له، وفق النيابة، الوصول إلى معلومات شديدة الحساسية.
وتفيد التحقيقات بأنه سلّم هانينغ، حتى يونيو 2022، نحو ألفي وثيقة، كان كثير منها مصنفاً على أنه سري ومخصص حصراً للاستخدام الداخلي في جهاز الاستخبارات. وشملت الوثائق إحاطات استخباراتية تستخدم لإعداد اجتماعات دورية لكبار مسؤولي الأجهزة الأمنية والوزارات في مكتب المستشارية الألمانية.
إيران وروسيا في قلب الوثائق.. لكن ليس بالضرورة في وجهتها
وأثارت طبيعة بعض الملفات المسربة اهتماماً خاصاً، إذ قالت تحقيقات NDR وWDR وSüddeutsche Zeitung إن الوثائق تضمنت معلومات شديدة الحساسية عن البرنامج النووي الإيراني والجيش الروسي، فضلاً عن معلومات مصدرها أجهزة استخبارات شريكة لألمانيا.
لكن النيابة الفدرالية لم تقل إن إيران أو روسيا حصلتا على تلك الوثائق. بل أكدت أن هانينغ استخدم في إحدى الحالات معلومات مصنفة لتعدّ تحليلاً لموظف في جهاز استخبارات أجنبي، فيما لم يتمكن المحققون حتى الآن من إثبات ما إذا كان التحليل قد وصل بالفعل إلى المستلم المقصود. كما تحدثت النيابة عن صلات هانينغ بممثل لجهاز استخبارات أجنبي آخر.
وتشير تقارير إعلامية ألمانية، بينها «دير شبيغل»، إلى أن إحدى الجهات التي يجري التحقيق بشأن صلة هانينغ بها قد تكون أذربيجان، بينما تقول وكالة «فرانس برس» إن الجهة الأجنبية المعنية ليست روسيا. وقد نفت أذربيجان رسمياً أي ارتباط بالفضيحة، ووصفت التقارير التي تربطها بالقضية بأنها ادعاءات لا أساس لها.
كيف انكشف الملف؟
بدأت خيوط القضية بالظهور بصورة عرضية خلال تحقيق آخر. ففي سبتمبر 2025، أجرت السلطات الألمانية تفتيشاً لممتلكات هانينغ في سياق تحقيق منفصل مرتبط بقضية اختطاف أبناء سيدة الأعمال الألمانية كريستينا بلوك، وعثرت على بيانات ووثائق استخباراتية لم يكن يفترض أن تكون بحوزته. وأحيلت المواد لاحقاً إلى السلطات الفدرالية، قبل أن تتولى النيابة الفدرالية التحقيق في مايو 2026 ضمن مسار سري.
ومن بين الأسئلة التي تواجه المحققين الآن: كم من الوثائق خرج فعلياً من إطار الاستخدام الداخلي؟ ومن حصل على المعلومات؟ وما حجم الضرر الذي قد يكون لحق بشبكة الشركاء الاستخباراتيين الأجانب لألمانيا؟
قضية تهز الثقة في جهاز الاستخبارات
وتأتي القضية في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة لألمانيا، التي تخوض نقاشاً سياسياً حول توسيع صلاحيات أجهزة الاستخبارات وتعزيز قدراتها في مواجهة تهديدات أمنية متزايدة.
وأثارت الاعتقالات ردود فعل قوية داخل البرلمان الألماني. وقال رئيس لجنة الرقابة البرلمانية على أجهزة الاستخبارات، مارك هنريشمان، إن القضية تستدعي محاسبة واضحة، فيما دعا سياسيون آخرون إلى مراجعة القواعد التي تنظم نشاط المسؤولين السابقين في الأجهزة الأمنية، خصوصاً انتقالهم إلى العمل الاستشاري والخاص.
ويكتسب الملف خطورته أيضاً من احتمال تأثيره في ثقة أجهزة الاستخبارات الشريكة بألمانيا، خصوصاً إذا تبين أن معلومات حصل عليها «BND» من أجهزة أجنبية كانت ضمن الوثائق التي خرجت من الجهاز. وقد حذرت تقارير ألمانية من أن مثل هذا التسريب يمكن أن يضر بمصادر المعلومات ويؤثر في تدفق المعلومات الاستخباراتية بين الدول المتعاونة.
من مسؤول استخبارات إلى مستشار خاص
وكان أوغست هانينغ من أبرز مسؤولي الأمن في ألمانيا؛ فقد ترأس «BND» بين 1998 و2005، ثم شغل منصب وكيل وزارة الداخلية حتى 2009. وبعد خروجه من الخدمة العامة، دخل مجال الاستشارات الخاصة.
وتقول النيابة إن المعلومات التي حصل عليها من مانفريد د. كان يفترض أن يستخدمها لتحقيق منفعة مالية ضمن نشاطه الاستشاري، وهو ما يضيف إلى القضية بعداً آخر يتعلق بضوابط انتقال كبار مسؤولي الاستخبارات إلى القطاع الخاص بعد ترك مناصبهم.
وبانتظار ما ستسفر عنه جلسات القضاء والتحقيقات الإضافية، تبقى القضية في إطار اتهامات قيد التحقيق ولم يصدر بشأنها حكم قضائي نهائي. لكن توقيف رئيس سابق لجهاز الاستخبارات الخارجية، إلى جانب اتهامات مرتبطة بتداول آلاف الوثائق السرية، دفع الأوساط السياسية والأمنية الألمانية إلى التعامل مع الملف باعتباره اختباراً جدياً لمنظومة حماية أسرار الدولة وثقة الشركاء الاستخباراتيين.