تحليل: هل تنجح «مورفي أويل» في إحياء النفط البحري بموريتانيا؟
اتفاقا الاستكشاف والإنتاج مع «مورفي أويل» يعيدان مقطعين بحريين إلى واجهة الاستثمار النفطي، أحدهما يضم اكتشافا قديما تقدر احتياطياته بنحو 280 مليون برميل، فيما تظل الالتزامات المالية وبرامج الحفر والجدول الزمني للتطوير غير معلنة.
تعود موريتانيا إلى محاولة استثمار إمكاناتها النفطية البحرية من خلال شراكة جديدة مع شركة «مورفي أويل كوربوريشن» الأمريكية، بعد توقيع عقدين للاستكشاف والإنتاج يتعلقان بالمقطعين البحريين C10 وتيوف، في خطوة تعيد تسليط الضوء على اكتشافات نفطية وغازية سابقة لم تتحول جميعها إلى مشاريع إنتاج تجاري.
ووقعت الحكومة الموريتانية، الثلاثاء 3 نوفمبر 2026، العقدين في نواكشوط، ممثلة بوزير الطاقة والنفط محمد ولد عبد الفتاح، فيما مثل الشركة الأمريكية نائب الرئيس الأول المكلف بالاستكشاف والموارد تحت السطحية كريستوفر تشارلز أولسون، بحضور القائمة بالأعمال في السفارة الأمريكية كورينا ر. ساندرز.
وجاء التوقيع بعد استقبال الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني وفد الشركة الأمريكية، في إشارة إلى الأهمية التي توليها السلطات لهذه الشراكة ضمن جهود استقطاب الاستثمارات الأجنبية إلى قطاع المحروقات.
وقالت وزارة الطاقة والنفط إن الاتفاق يمثل دفعة لاستئناف الاستكشاف البحري وتثمين الإمكانات الوطنية من النفط والغاز، وتعزيز الشراكات مع الشركات الدولية العاملة في القطاع.
لكن أهمية الاتفاق لا تقتصر على دخول شركة أمريكية إلى الحوض الساحلي، بل تتصل أيضا بطبيعة المناطق المشمولة بالعقدين، خصوصا حقل تيوف الذي يعود اكتشافه إلى مطلع الألفية، والمقطع C10 الذي شهد اكتشافات سابقة للغاز والنفط، دون أن تتحول تلك الاكتشافات إلى إنتاج تجاري واسع.
وتجمع الاتفاقيتان بين منطقة استكشاف تضم أهدافا جيولوجية لم تحسم نتائجها بعد، وأخرى تحتوي على اكتشاف نفطي قديم تسعى السلطات إلى دراسة إمكانية إعادة تطويره.
تيوف.. اكتشاف نفطي ينتظر التطوير منذ أكثر من عقدين
يمثل حقل تيوف أحد أبرز الملفات التي تعيد الاتفاقية الجديدة فتحها، بالنظر إلى أن اكتشافه يعود إلى مطلع العقد الأول من الألفية، لكنه لم يدخل مرحلة الإنتاج التجاري رغم مرور سنوات طويلة على تحديد إمكاناته النفطية.
وتقدر وزارة الطاقة والنفط احتياطيات الحقل بنحو 280 مليون برميل، وفق معلومات أوردتها تقارير متخصصة في قطاع الطاقة.
ويضع هذا الرقم تيوف ضمن الاكتشافات النفطية المهمة في الحوض الساحلي الموريتاني، لكنه لا يعني أن هذه الكمية أصبحت احتياطيات قابلة للاستخراج التجاري بصورة مؤكدة، إذ يتطلب تحويل الاكتشاف إلى مشروع إنتاج إجراء دراسات فنية واقتصادية، وتحديد خصائص المكمن، وتقييم تكاليف التطوير والبنية التحتية اللازمة.
وتشير المعلومات المنشورة إلى أن السلطات تعمل على تقييم ظروف إعادة تطوير الحقل، بما في ذلك إمكانية استغلال موارده بعد سنوات من بقائه خارج الإنتاج التجاري.
وتكمن أهمية إسناد هذا الملف إلى شركة تمتلك خبرة في الاستكشاف والتطوير البحري في محاولة الانتقال من مرحلة الاحتفاظ ببيانات الاكتشافات القديمة إلى إعادة تقييمها وفق المعطيات التقنية والاقتصادية الحالية.
ومع ذلك، لم تعلن الحكومة حتى الآن عن برنامج زمني محدد لتطوير الحقل، أو موعد بدء عمليات الحفر والتقييم، كما لم تكشف عن حجم الاستثمارات التي ستخصصها الشركة لهذا الغرض.
ويظل السؤال الأساسي بشأن تيوف مرتبطا بمدى قدرة الدراسات الجديدة على إثبات الجدوى الاقتصادية لإنتاج النفط منه، خصوصا أن وجود احتياطيات مقدرة لا يكفي وحده لاتخاذ قرار الاستثمار النهائي.
المقطع C10.. اكتشافات سابقة و16 هدفا استكشافيا
أما المقطع البحري C10، فيحمل بدوره سجلا من عمليات الاستكشاف التي أسفرت عن اكتشافات سابقة، لكنه لم يصل إلى مرحلة تطوير تجاري شامل.
ففي عام 2004، شهدت المنطقة اكتشاف الغاز في منطقة «ميرو»، قبل تسجيل اكتشاف نفطي في منطقة «لابيدنا» عام 2005، وهو ما جعل المقطع محط اهتمام الشركات العاملة في مجال التنقيب البحري.
وتشير بيانات استكشافية إلى وجود 16 هدفا إضافيا في المنطقة، لا تزال إمكاناتها بحاجة إلى التأكد من خلال عمليات الحفر والتقييم.
وتعني هذه الأهداف وجود مواقع جيولوجية تستحق الدراسة، لكنها لا تمثل اكتشافات مؤكدة أو احتياطيات مثبتة، إذ يتطلب تحديد حجم الموارد الفعلية إجراء عمليات استكشاف إضافية.
ولم تكن التجارب السابقة في المقطع إيجابية في جميع مراحلها، فقد تخلت شركة «شل» في نوفمبر 2023 عن بئر PannaCotta-1 بعد العثور على آثار محدودة للمحروقات، وهو ما يعكس طبيعة المخاطر المرتبطة بالاستكشاف في المناطق البحرية، حتى عندما تشير الدراسات الأولية إلى وجود إمكانات واعدة.
ومن هنا، يكتسب دخول «مورفي أويل» أهمية من زاوية إعادة تقييم الإمكانات الجيولوجية للمقطع، واختبار أهداف استكشافية لم تحسم نتائجها بعد.
لكن نجاح هذه الخطوة سيظل مرتبطا ببرنامج العمل الذي ستعتمده الشركة، وعدد الآبار التي ستقرر حفرها، ونتائج الاختبارات الفنية التي ستجريها.
من التفاوض إلى التوقيع.. كيف وصلت مورفي أويل إلى الحوض الساحلي؟
لم يأت توقيع العقدين بصورة مفاجئة، إذ سبقه مسار من الاتصالات والمفاوضات بين السلطات الموريتانية وشركات دولية أبدت اهتمامها بالاستثمار في المقاطع البحرية.
وتقدمت شركتا «مورفي أويل» و«شاريـوت أويل» في يوليو 2026 بطلبات للحكومة الموريتانية للحصول على حقوق في ثلاثة مقاطع بحرية، في إطار توجه الشركات إلى استكشاف إمكانات الحوض الساحلي.
وكان مجلس الوزراء قد وافق في ديسمبر 2025 على استثناء المقاطع C7 وC10 وحقل تيوف من إجراءات المناقصة التنافسية، بما يسمح للسلطات بالتفاوض المباشر مع الشركات المهتمة.
ومع توقيع العقدين مع «مورفي أويل»، انتقل أحد مسارات التفاوض إلى مرحلة التعاقد الفعلي، فيما لم تتضح بعد الصورة النهائية لبقية المقاطع التي شملتها طلبات الشركات.
وهنا تبرز نقطة مهمة تتعلق بشفافية الاتفاقيات، إذ لم تنشر السلطات تفاصيل الالتزامات المالية أو نسب المشاركة أو برامج العمل الخاصة بالعقدين، كما لم تعلن ما إذا كانت هناك شركات أخرى ستشارك في تطوير المشروعين.
وتكتسب هذه التفاصيل أهمية خاصة لأن قيمة أي اتفاق في قطاع الاستكشاف لا تقاس بمجرد توقيعه، وإنما بحجم الاستثمارات التي يلتزم بها المستثمر، وعدد الآبار التي سيحفرها، والنتائج التي ستسفر عنها عمليات التقييم والاستكشاف.
مورفي أويل.. شركة أمريكية بخبرة في الاستكشاف البحري
تأسست شركة «مورفي أويل كوربوريشن» عام 1950، وأُدرجت في البورصة الأمريكية عام 1956، وتتخذ من مدينة هيوستن بولاية تكساس مقرا لها.
وتعمل الشركة في استكشاف النفط والغاز وتطوير الحقول وإنتاج المحروقات، ولديها أنشطة في عدد من الأحواض البحرية خارج الولايات المتحدة، بينها مناطق في غرب إفريقيا وجنوب شرق آسيا.
وتعكس أنشطة الشركة خلال العام الجاري استمرار اهتمامها بالاستكشاف والتقييم البحري، ففي 12 أكتوبر 2026 أعلنت عن نتائج إيجابية لبئر التقييم Bubale West-1X في المقطع CI-103 قبالة ساحل كوت ديفوار.
وقالت الشركة إن البئر سجل نحو 27 مترا من الطبقات النفطية الصافية، كما رُصدت محروقات إضافية في مكمن أعمق، مشيرة إلى أن التحليلات الأولية أظهرت مؤشرات إيجابية بشأن جودة النفط المكتشف.
وتملك الشركة التابعة لمورفي أويل حصة تشغيلية تبلغ 85% في المقطع CI-103، بينما تمتلك الشركة الوطنية لعمليات النفط في كوت ديفوار «PETROCI» النسبة المتبقية البالغة 15%.
كما أعلنت الشركة في أكتوبر عن تحقيق اكتشاف نفطي في بئر Lac Da Trang North-1X قبالة سواحل فيتنام، حيث سجلت نحو 40 مترا من الطبقات النفطية الصافية.
وتوفر هذه النتائج خلفية عن طبيعة الخبرات التي تدخل بها الشركة إلى موريتانيا، خصوصا في مجال حفر الآبار البحرية وتقييم المكامن النفطية، وإن كانت النتائج المسجلة في كوت ديفوار وفيتنام لا تعني بالضرورة تكرار النتائج نفسها في الحوض الساحلي الموريتاني.
ويظل الاختبار الفعلي للشركة في موريتانيا مرتبطا بقدرتها على تحويل البيانات الجيولوجية المتاحة في C10 وتيوف إلى اكتشافات قابلة للتطوير والاستغلال الاقتصادي.
الغاز الموريتاني.. خلفية جديدة للاستثمار في القطاع البحري
تأتي الشراكة مع «مورفي أويل» في مرحلة تشهد فيها موريتانيا انتقالا تدريجيا من مرحلة استكشاف الموارد البحرية إلى مرحلة الإنتاج والتصدير، خصوصا بعد بدء الإنتاج في مشروع الغاز المشترك مع السنغال، المعروف باسم «السلحفاة الكبرى آحميم».
ويمثل المشروع، الذي تديره شركة «بريتيش بتروليوم» بالشراكة مع «كوسموس إنرجي» والشركتين الوطنيتين الموريتانية والسنغالية، أحد أبرز التحولات في قطاع الطاقة بالبلدين.
وأظهرت بيانات تتبع الشحنات أن صادرات موريتانيا من الغاز الطبيعي المسال بلغت نحو 603 آلاف طن خلال الربع الثالث من عام 2026، مقابل 521 ألف طن في الفترة نفسها من العام السابق، بزيادة بلغت 16%.
وبلغت الصادرات خلال الأشهر التسعة الأولى من العام نحو 1.97 مليون طن، مقارنة بنحو 823 ألف طن خلال الفترة نفسها من عام 2025.
وتعكس هذه الأرقام دخول الغاز البحري مرحلة أكثر حضورا في النشاط الاقتصادي والتجاري الموريتاني، بعد سنوات من الاستثمارات والتطوير في مشروع السلحفاة الكبرى آحميم.
لكن الاتفاق مع «مورفي أويل» يفتح مسارا مختلفا يتعلق بالبحث عن موارد نفطية وغازية إضافية، وليس فقط الاستفادة من الحقول التي دخلت بالفعل مرحلة الإنتاج.
وتكمن أهمية هذا المسار في أن تنويع الاكتشافات البحرية قد يمنح موريتانيا فرصا إضافية لتوسيع قاعدة مواردها من المحروقات، وتطوير مشاريع جديدة مستقبلا، بدلا من الاعتماد على عدد محدود من الحقول والمشاريع الكبرى.
ومع ذلك، فإن الانتقال من اكتشافات الاستكشاف إلى الإنتاج يحتاج إلى استثمارات كبيرة، ودراسات فنية، وبنية تحتية مناسبة، إضافة إلى ضمان وجود أسواق قادرة على استيعاب الإنتاج المحتمل.
ماذا يمكن أن تكسب موريتانيا من الاتفاقيتين؟
تتجاوز أهمية العقدين مسألة البحث عن النفط والغاز، لتشمل مجموعة من المكاسب المحتملة المرتبطة بتطوير قطاع المحروقات وتوسيع قاعدة الاستثمارات الأجنبية.
أول هذه المكاسب يتمثل في إعادة تقييم اكتشافات سابقة، وعلى رأسها حقل تيوف، الذي بقي خارج الإنتاج التجاري رغم مرور أكثر من عقدين على اكتشافه، وإذا أثبتت الدراسات الجديدة جدواه الاقتصادية، فقد يشكل تطويره إضافة مهمة إلى الموارد النفطية الوطنية.
أما المكسب الثاني فيتعلق بإعادة تنشيط الاستكشاف في المقطع C10، الذي يضم اكتشافات سابقة وأهدافا جيولوجية إضافية، بما قد يفتح المجال أمام اكتشافات جديدة في الحوض الساحلي.
ويتمثل المكسب الثالث في جذب خبرات واستثمارات دولية إلى قطاع الطاقة، وهو ما قد ينعكس على تطوير الخدمات الفنية واللوجستية المرتبطة بالاستكشاف البحري، وخلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، وزيادة الطلب على الخدمات المحلية.
كما يمكن أن يسهم نجاح عمليات الاستكشاف في تعزيز موقع موريتانيا ضمن خريطة الطاقة الإقليمية، خصوصا في ظل التحولات التي يشهدها غرب إفريقيا مع دخول مشاريع الغاز البحرية مراحل الإنتاج والتصدير.
غير أن هذه المكاسب تظل احتمالات مرتبطة بنتائج التنفيذ، ولا يمكن اعتبارها عوائد اقتصادية متحققة بمجرد توقيع العقود.
الأسئلة التي لم تجب عنها الحكومة بعد
على الرغم من أهمية توقيع الاتفاقيتين، فإن المعلومات المنشورة حتى الآن لا تقدم صورة كاملة عن الالتزامات التي ستترتب عليهما، وهو ما يترك عددا من الأسئلة المتعلقة بمستقبل المشروعين مفتوحة.
أول هذه الأسئلة يتعلق بالقيمة الإجمالية للاستثمارات التي ستضخها «مورفي أويل» في المقطعين، وحجم الإنفاق الذي ستلتزم به خلال مراحل الاستكشاف والتقييم.
كما لا تزال مدة العقدين غير معلنة، إلى جانب نسب المشاركة، والبرنامج الزمني لبدء عمليات الحفر، وعدد الآبار المتوقع إنجازها في كل مقطع.
وتبرز أيضا مسألة حقل تيوف، خصوصا ما يتعلق بنتائج الدراسات التي ستحدد مدى إمكانية إعادة تطويره، والتكلفة التقديرية لإدخاله مرحلة الإنتاج، وما إذا كانت الشركة ستتجه إلى استغلال الاكتشاف القائم أو إجراء عمليات تقييم إضافية قبل اتخاذ قرار الاستثمار.
أما في المقطع C10، فتتعلق الأسئلة بمدى اهتمام الشركة بالأهداف الاستكشافية الستة عشر التي أشارت إليها البيانات المتاحة، وما إذا كانت ستعتمد على الحفر المباشر أو ستبدأ أولا بجمع بيانات جيولوجية إضافية.
وتكتسب مسألة شروط تقاسم الإنتاج أهمية أخرى، إذ لم تنشر السلطات حتى الآن التفاصيل المتعلقة بكيفية توزيع الإنتاج المحتمل، أو العائدات التي يمكن أن تحصل عليها الدولة في حال التوصل إلى اكتشاف تجاري.
وهذه المعلومات ضرورية لتقييم الأثر الاقتصادي الحقيقي للاتفاقيتين، وتحديد حجم المنافع التي يمكن أن تعود على الخزينة العامة والاقتصاد الوطني.
اختبار جديد لقطاع المحروقات الموريتاني
يعيد توقيع العقدين مع «مورفي أويل» فتح ملف الاستكشاف النفطي البحري في موريتانيا، بعد سنوات شهدت خلالها المنطقة اكتشافات مهمة، لكن بعضها لم يتجاوز مرحلة التقييم والدراسات الفنية.
ويضع الاتفاق الجديد حقل تيوف والمقطع C10 أمام مرحلة مختلفة، تقوم على اختبار الإمكانات المتاحة من خلال شراكة مع شركة تمتلك خبرة دولية في الاستكشاف والتطوير البحري.
لكن التحدي الأساسي لن يكون في استقطاب الشركة أو توقيع الاتفاقيات، بل في تحويلها إلى عمليات استكشاف فعلية، ثم إلى اكتشافات ذات جدوى اقتصادية، وصولا إلى الإنتاج التجاري إذا أثبتت الدراسات إمكانية ذلك.
وبالنسبة لموريتانيا، فإن نجاح هذه الشراكة قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من تطوير الحوض الساحلي وتنويع موارد الطاقة، بينما سيظل الحكم على نتائجها مرتبطا بما ستكشف عنه عمليات الحفر والتقييم، وبمدى التزام الشركة بالاستثمارات والبرامج المتفق عليها.