مدير المعهد التربوي: الكتاب الورقي لم يمت والرقمنة لا تعني نهاية القراءة

أكد المدير العام للمعهد التربوي الوطني والأستاذ بجامعة نواكشوط، الشيخ معاذ سيدي عبد الله، أن تراجع القراءة يمثل إشكالية عالمية تتجاوز الحدود، مشيرا إلى أن التحول الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي أعادا تشكيل علاقة الإنسان بالكتاب، دون أن يعني ذلك نهاية الكتاب الورقي كما كان يُعتقد.
وأوضح خلال مقابلة في النشرة المسائية على قناة TTV أمس الخميس، أن التوقعات التي رافقت ظهور الوسائط الرقمية بشأن اندثار الكتاب الورقي لم تثبت صحتها، إذ لا يزال الكتاب التقليدي حاضرا بقوة، خاصة في مجالات معرفية لم تُرقمن بالكامل، مع بقاء عدد كبير من الإصدارات المهمة خارج الصيغ الإلكترونية.
وعزا تراجع الإقبال على القراءة الورقية إلى ما وصفه بعصر السرعة، حيث بات الأفراد يفضلون الحلول الرقمية التي تختصر الوقت والجهد، مثل حمل مكتبات كاملة على الهواتف المحمولة، مما أتاح القراءة في فضاءات مختلفة وغير تقليدية.
وانتقد ما اعتبره تحولا في المنظومة التربوية نحو التلقين والنجاح الامتحاني، على حساب بناء عادة القراءة الحرة، مشيرا إلى أن النظرة النفعية للتعليم قللت من ارتباط الطالب بالكتاب كمصدر للمعرفة والمتعة.
وأضاف أن الأجيال السابقة كانت أكثر ارتباطا بالمعرفة رغم ضعف الوسائل، في حين يعاني الجيل الحالي من ضعف في التحصيل الثقافي العام، بسبب غياب الشغف واعتماد البعض على الغش كوسيلة للنجاح السريع.
وحذر من الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي في التعليم والكتابة، معتبرا أن ذلك قد يضعف القدرات الإبداعية البشرية، داعيا إلى سن تشريعات تحمي الإنتاج الفكري وتوازن بين التقنية والإنسان.
ورفض ربط تراجع القراءة بالأوضاع الاقتصادية أو البطالة، مؤكدا أن المشكلة مرتبطة أساسا بالثقافة السائدة، لافتا إلى أن المكتبات العامة والجامعية، رغم توفرها المجاني، تعاني من ضعف الإقبال.
وكشف عن مفارقة في الإقبال الكبير على أول معرض وطني للكتاب مقابل عزوف شبه دائم عن المكتبات، معتبرا ذلك دليلا على وجود رغبة كامنة في القراءة غير مفعلة بشكل مستمر.
واستشهد بتجارب دول مثل اليابان وكوريا في تعزيز القراءة عبر سياسات تعليمية تعتمد الحوافز والمسابقات منذ سن مبكرة، مع إدماج المطالعة ضمن المناهج رغم التطور التكنولوجي.
ودعا إلى إعادة إدراج القراءة الحرة في المدارس، واقتراح إدماج الثقافة العامة كمادة أساسية، مع تشجيع الطلاب على تلخيص الكتب وعرضها، بما يعزز قدراتهم التعبيرية ويربطهم بالنصوص بشكل أعمق.
وأكد أن نوادي القراءة تبقى مهمة لكنها تحتاج إلى دعم مؤسسي لتصبح جزءا من السياسة الثقافية العامة، مشددا على أن وسائل التواصل الاجتماعي يمكن أن تكون أداة معرفية إذا تم توظيفها بشكل صحيح.
وأوضح أن مستقبل القارئ يتحدد وفق الخيارات التعليمية الحالية، بين إنتاج جيل قارئ ومبدع أو الاكتفاء بجيل يستهلك المعرفة بشكل سطحي، داعيا إلى الانتقال من نظام يخرج موظفين إلى نظام يبني عقولاً قارئة.