الكونغرس الأمريكي وإفريقيا.. تداعيات التحول السياسي في واشنطن
من مستقبل التمويل الصحي واتفاقية «أغوا» إلى التعاون العسكري في الساحل والمعادن الاستراتيجية.. لماذا تراقب العواصم الإفريقية التحول السياسي في واشنطن؟
لم تتعامل صحف إفريقية مع نتائج انتخابات التجديد النصفي الأمريكية باعتبارها مجرد انتكاسة انتخابية للحزب الجمهوري، بل قرأتها من زاوية انعكاساتها المحتملة على علاقات واشنطن بالقارة، في ظل اعتماد عدد من الدول الإفريقية على برامج المساعدات الأمريكية، وارتباط مصالحها التجارية والأمنية بالقرارات التي تصدر عن المؤسسات الأمريكية.
ومع انتقال السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ إلى الحزب الديمقراطي، بعد انتخابات 3 نوفمبر 2026، تتجه الأنظار في إفريقيا إلى ما يمكن أن يتغير في سياسات إدارة الرئيس دونالد ترامب خلال العامين المتبقيين من ولايته، خصوصا في ملفات التمويل التنموي والتجارة والهجرة والتعاون الأمني.
وفي قراءتها لهذه التطورات، ركزت صحف ومؤسسات إعلامية إفريقية على أن أهمية الانتخابات لا تكمن فقط في هوية الحزب الذي يسيطر على الكونغرس، وإنما في الصلاحيات التي تمنحها هذه السيطرة للمشرعين في مراقبة الإنفاق الخارجي، ومراجعة سياسات الإدارة، والتأثير في برامج التعاون مع الدول الإفريقية.
الصحافة الكينية: إفريقيا حاضرة في نتائج انتخابات لم تكن حاضرة في حملاتها
في تحليل نشرته صحيفة «The Standard» الكينية في 31 أكتوبر الماضي، قبل إجراء الانتخابات، رأى الكاتب كاموثو واغيانو أن انتخابات التجديد النصفي لعام 2026 تختلف عن الاستحقاقات الأمريكية السابقة بالنسبة لإفريقيا، لأن نتائجها ستؤثر في الجهات التي تراقب وتحدد مخصصات المساعدات الخارجية والتشريعات التجارية وسياسات الهجرة.
وربط الكاتب أهمية الانتخابات بمستقبل قانون النمو والفرص في إفريقيا «AGOA»، وبالاضطراب الذي أصاب منظومة التمويل الصحي العالمي بعد تفكيك الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، فضلا عن التنافس على المعادن الاستراتيجية الإفريقية.
ولفت التحليل إلى أن الانخراط الأمني الأمريكي في القارة يواجه ضغوطا متزايدة، مع امتداد التحديات الأمنية من السودان إلى منطقة الساحل وشرق الكونغو، معتبرا أن واشنطن تنظر إلى أجزاء من إفريقيا بصورة انتقائية، تتركز خصوصا في المناطق الغنية بالموارد، وفي إطار المنافسة مع الصين وروسيا.
وذهب الكاتب إلى أن انقسام السلطة بين البيت الأبيض والكونغرس قد يمنح الحكومات الإفريقية والمنظمات والجاليات المقيمة في الولايات المتحدة قنوات إضافية للتأثير في القرارات الأمريكية، عبر التواصل مع أعضاء الكونغرس واللجان المختصة بالتجارة والصحة والأمن والعلاقات الخارجية.
وتتمثل الفكرة الأساسية في هذا التحليل في أن إفريقيا لا ينبغي أن تظل مرتبطة بعلاقات شخصية مع الإدارات الأمريكية المتعاقبة، بل تحتاج إلى بناء علاقات مؤسسية وتشريعية تضمن استمرارية المصالح الإفريقية رغم تغير الحكومات في واشنطن.
الصحافة النيجيرية: المساعدات والتعاون العسكري تحت رقابة الكونغرس
من جانبها، وضعت صحيفة «Leadership» النيجيرية، في تقرير تحليلي نشرته في 4 نوفمبر، نتائج الانتخابات ضمن خمسة ملفات رئيسية تهم القارة، هي المساعدات الخارجية والصحة والتجارة والهجرة والأمن، إلى جانب التمثيل السياسي للجاليات الإفريقية في الولايات المتحدة.
وركز التقرير على أن سيطرة الديمقراطيين على الكونغرس قد تمنحهم قدرة أكبر على مساءلة إدارة ترامب بشأن تقليص المساعدات الخارجية، ومراجعة التمويلات المخصصة للبرامج الصحية والإنسانية، خصوصا في الدول التي تعتمد على الدعم الأمريكي في مكافحة الأمراض وتوفير الخدمات الصحية.
وفي الملف الأمني، تناولت الصحيفة أهمية الرقابة التشريعية على العمليات العسكرية الأمريكية والتعاون في مكافحة الإرهاب، مستحضرة الضربات الأمريكية التي استهدفت مواقع مرتبطة بتنظيم الدولة في ولاية سوكوتو النيجيرية في ديسمبر 2025، وما أثارته من نقاشات بشأن استخدام القوة وحماية المدنيين والأهداف المعلنة للتدخلات العسكرية.
واعتبر التقرير أن التغيير في تركيبة الكونغرس قد يرفع مستوى التدقيق في الإنفاق العسكري والعمليات الخارجية، لكنه حذر من اعتبار ذلك مؤشرا تلقائيا على وقف العمليات أو تغيير السياسة الأمنية الأمريكية، لأن الرئيس يحتفظ بصلاحيات تنفيذية واسعة في هذا المجال.
وتكتسب هذه القراءة أهمية بالنسبة لمنطقة الساحل، حيث تتداخل مكافحة الجماعات المسلحة مع التعاون الاستخباراتي والتدريب العسكري والتمويل الخارجي، وهي ملفات يمكن أن تتأثر بدرجة الرقابة التي يمارسها الكونغرس على الإدارة الأمريكية.
جنوب إفريقيا: تغيير في الرقابة لا يعني بالضرورة تغييرا في السياسة الخارجية
أما في جنوب إفريقيا، فقد ركزت إذاعة «Eyewitness News»، عبر برنامج «702»، على حدود قدرة الكونغرس الجديد على تغيير سياسة ترامب الخارجية، مستندة إلى تصريحات إليزابيث سيديروبولوس، الرئيسة التنفيذية للمعهد الجنوب إفريقي للشؤون الدولية.
ورأت سيديروبولوس أن سيطرة الديمقراطيين على مجلسي الكونغرس قد تتيح مقاومة تشريعية أكبر لبعض توجهات الإدارة الأمريكية، وتعيد ضبط العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، لكنها شددت على أن قسما كبيرا من السياسة الخارجية الأمريكية يظل خاضعا لقرارات البيت الأبيض.
وحذرت من التعامل مع ترامب باعتباره رئيسا فقد نفوذه السياسي بمجرد خسارة حزبه للأغلبية، مشيرة إلى أنه قد يتجه إلى التركيز بصورة أكبر على السياسة الخارجية، حيث يمتلك صلاحيات تنفيذية واسعة.
وتعكس هذه القراءة تحفظا مهما في التغطية الإفريقية، يتمثل في أن خسارة الجمهوريين للكونغرس لا تعني بالضرورة عودة واشنطن إلى سياساتها السابقة في القارة، أو تراجع توجهات الإدارة الحالية بشأن التجارة والهجرة والتعاون الدولي.
الساحل: الأمن والمعادن والتنافس مع روسيا والصين
تبدو منطقة الساحل من أكثر المناطق التي تستحق متابعة انعكاسات التحول السياسي في واشنطن، بالنظر إلى تداخل الملفات الأمنية والاقتصادية والجيوسياسية فيها، وإلى التحولات التي شهدتها علاقات دول المنطقة بالولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة.
وفي هذا السياق، أشار تحليل صحيفة «The Standard» إلى أن الانخراط الأمني الأمريكي في القارة يواجه ضغوطا تمتد إلى السودان والساحل وشرق الكونغو، وربط ذلك بالتنافس على الموارد والمعادن الاستراتيجية، خصوصا في ظل سعي واشنطن إلى تعزيز موقعها في مواجهة النفوذ الصيني والروسي.
وتتجاوز أهمية هذه الإشارة الجانب العسكري، إذ إن منطقة الساحل أصبحت جزءا من تنافس أوسع على الوصول إلى الذهب واليورانيوم والموارد الطبيعية الأخرى، وعلى بناء شراكات مع الحكومات التي تسعى إلى تنويع علاقاتها الدولية.
وتواجه الولايات المتحدة تحديا خاصا في مالي والنيجر وبوركينا فاسو، بعد تراجع حضورها العسكري في المنطقة، وخروج قواتها من النيجر، واتساع علاقات دول تحالف الساحل مع روسيا.
وفي هذا السياق، لا يعني انتقال السيطرة على الكونغرس إلى الديمقراطيين أن واشنطن ستتخلى عن محاولات استعادة نفوذها في المنطقة، لكنه قد يفتح نقاشا أوسع حول طبيعة الشراكات الأمنية، وحجم الإنفاق العسكري، والضمانات المرتبطة باستخدام المساعدات والتجهيزات الأمريكية.
كما يمكن أن تتأثر قدرة الإدارة على تمويل برامج التعاون الأمني أو توسيعها، تبعا لأولويات الكونغرس الجديد ومواقف لجانه المعنية بالعلاقات الخارجية والدفاع والموازنات.
لكن من المهم التمييز بين الرقابة التشريعية والقرار التنفيذي، فالكونغرس يستطيع التأثير في التمويل ومساءلة الإدارة، بينما تظل للرئيس مساحة واسعة في تحديد توجهات السياسة الخارجية والعمليات العسكرية.
موريتانيا ودول الساحل أمام مشهد أمريكي جديد
بالنسبة لموريتانيا، لا تنفصل هذه التطورات عن موقعها في منطقة تتزايد فيها المنافسة الدولية على الشراكات الأمنية والاقتصادية، خصوصا مع استمرار التحديات المرتبطة بالنشاط المسلح في مالي، وتداعيات عدم الاستقرار على الحدود، وتزايد أهمية التعاون الاستخباراتي ومراقبة المجالين البري والبحري.
وتعتمد أهمية التحول في واشنطن بالنسبة لنواكشوط على طبيعة الملفات التي ستظل ضمن أولويات الإدارة الأمريكية، وعلى مدى استعداد الكونغرس الجديد لدعم برامج التعاون مع دول الساحل، سواء في مجالات التدريب ومكافحة الإرهاب أو التنمية والاستثمار.
كما أن أي مراجعة للتمويلات الأمريكية أو شروط التعاون الأمني قد تفرض على دول المنطقة إعادة تقييم مصادر الدعم والشراكات الخارجية، في وقت تسعى فيه حكومات الساحل إلى توسيع هامش استقلال قرارها وتنويع علاقاتها مع القوى الدولية.
وتبرز هنا مسألة التنافس بين الولايات المتحدة وروسيا والصين، إذ إن أي تراجع في الحضور الأمريكي لا يعني بالضرورة فراغا في المنطقة، بل قد يتيح للقوى الأخرى توسيع حضورها الاقتصادي والأمني، خصوصا في القطاعات المرتبطة بالمعادن والطاقة والبنية التحتية.
إفريقيا لا تنتظر تغييرا تلقائيا في سياسة واشنطن
تتقاطع القراءات التي نشرتها الصحافة الإفريقية عند نقطة أساسية، هي أن خسارة الجمهوريين للأغلبية في الكونغرس تمنح الديمقراطيين أدوات أكبر لمراقبة إدارة ترامب ومساءلتها، لكنها لا تضمن حدوث تحول جذري في السياسة الأمريكية تجاه القارة.
فبينما تراهن بعض التحليلات على إمكانية إعادة النظر في تمويل البرامج الصحية والتنموية، تركز أخرى على مستقبل التجارة والرسوم الجمركية، وعلى فرص تعزيز الرقابة على العمليات العسكرية والتعاون الأمني.
أما بالنسبة لمنطقة الساحل، فإن السؤال الأكثر إلحاحا يتعلق بمدى استمرار اهتمام واشنطن بالمنطقة، وما إذا كانت ستواصل مقاربة تقوم على المصالح الأمنية والوصول إلى الموارد، أم أن الكونغرس الجديد سيدفع باتجاه ربط التعاون بشروط أكثر وضوحا بشأن الاستقرار السياسي والحكم والشفافية.
وفي جميع الأحوال، لا يبدو أن التغيير في موازين القوى داخل واشنطن سيعفي الدول الإفريقية من مسؤولية صياغة أولوياتها والتفاوض بشأن مصالحها، بل قد يجعل الحاجة أكبر إلى بناء مواقف مشتركة، وتعزيز التنسيق الدبلوماسي، وتوسيع الشراكات الاقتصادية والأمنية بما يقلل الاعتماد على طرف دولي واحد.
فبالنسبة للقارة، لا يتعلق الأمر فقط بمن يسيطر على الكونغرس الأمريكي، وإنما بمدى قدرة الحكومات الإفريقية على تحويل التحولات السياسية في واشنطن إلى فرص تخدم مصالحها، بدلا من الاكتفاء بانتظار ما تقرره الإدارة الأمريكية أو المؤسسة التشريعية.
