شمال مالي يشتعل مجدداً.. هجوم واسع يفتح عدة جبهات في وقت واحد

دخلت مالي، صباح اليوم السبت، مرحلة جديدة من التصعيد العسكري، بعد إطلاق هجوم واسع ومنسق استهدف عدة مدن وقواعد عسكرية في شمال البلاد ووسطها وغربها، في أكبر عملية منذ الهجوم الكبير الذي شهدته البلاد أواخر أبريل الماضي.
وتقود العملية، وفق أغلب الروايات الميدانية، جبهة تحرير أزواد (FLA)، مع مشاركة أو تنسيق ميداني من جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM) المرتبطة بتنظيم القاعدة، بينما اكتفى الجيش المالي بالإعلان عن تعرض عدد من مواقعه لهجمات متزامنة دون تقديم حصيلة نهائية للخسائر.
ويشير اتساع رقعة العمليات إلى أن المهاجمين اعتمدوا استراتيجية فتح عدة جبهات في وقت واحد، بما يشتت جهود الجيش ويحد من قدرته على الدفع بتعزيزات إلى جبهة واحدة.
أنيفيس… الهدف الرئيسي للهجوم
تمثل أنيفيس (Anéfis) محور العمليات الرئيسية؛ حيث تقع في إقليم كيدال أقصى شمال شرق مالي، على الطريق الاستراتيجي الرابط بين غاو ومدينة كيدال، وتبعد نحو 110 كيلومترات جنوب مدينة كيدال، وحوالي 280 كيلومتراً شمال شرق مدينة غاو.
وتعد أنيفيس آخر موقع عسكري كبير احتفظ به الجيش المالي في محيط كيدال بعد خسارته المدينة في هجوم أبريل الماضي، كما تضم قاعدة يتمركز فيها الجيش المالي إلى جانب عناصر من الفيلق الافريقي Africa Corps الروسية.
وتشير معظم الروايات الميدانية إلى دخول مقاتلي جبهة تحرير أزواد إلى أجزاء واسعة من المدينة، والاستيلاء على عدد من الآليات العسكرية، في حين تؤكد مصادر أخرى استمرار القتال داخل المعسكر العسكري وعدم حسم السيطرة عليه حتى الآن.
وتظهر مقاطع فيديو متداولة أسرى من الجيش المالي وآليات مدرعة يقال إنها وقعت بيد المهاجمين، إلا أن هذه المقاطع لم تخضع حتى الآن لتحقق مستقل.
لماذا أنيفيس؟
لا تعود أهمية أنيفيس إلى حجمها السكاني، بل إلى موقعها العسكري.
فالمدينة تتحكم في الطريق الرابط بين غاو وكيدال، وتشكل بوابة الوصول إلى كيدال من الجنوب.
وأي سيطرة كاملة عليها ستجعل وجود الجيش المالي داخل إقليم كيدال محدوداً للغاية، كما ستمنح جبهة تحرير أزواد حرية أكبر في التحرك بين كيدال ومناطق نفوذها الأخرى.
غاو… استهداف القلب العسكري في الشرق
بالتزامن مع معركة أنيفيس، شهدت مدينة غاو هجمات عنيفة استهدفت محيط المطار العسكري وبعض المواقع العسكرية.
وتقع غاو شرق مالي على ضفاف نهر النيجر، وتعد أكبر مدن شمال البلاد والعاصمة الإدارية لإقليم غاو، كما تمثل أهم مركز لوجستي وعسكري للقوات المالية في الشرق.
وتبعد المدينة حوالي 320 كيلومتراً جنوب غرب كيدال، ونحو 280 كيلومتراً جنوب غرب أنيفيس.
وأفادت مصادر محلية بسماع انفجارات متتالية وتصاعد أعمدة الدخان من محيط المطار العسكري، بينما تحدثت تقارير غير مؤكدة عن احتمال إصابة طائرة عسكرية أو منشآت داخل القاعدة.
أغيلهوك… الضغط على الحدود الجزائرية
كما استهدفت الهجمات أغيلهوك الواقعة في أقصى شمال شرق مالي.
وتقع المدينة على بعد نحو 200 كيلومتر شمال مدينة كيدال، وبالقرب من الحدود الجزائرية، وتعد إحدى أهم القواعد العسكرية التي يعتمد عليها الجيش المالي لمراقبة الشريط الحدودي مع الجزائر.
ويمنح موقعها أهمية استراتيجية كبيرة، إذ تشكل بوابة للتحركات القادمة من الصحراء الكبرى، كما تمثل نقطة ارتكاز رئيسية في أي عمليات عسكرية بالشمال.
سيفاري… توسيع العمليات نحو الوسط
وامتدت العمليات إلى مدينة سيفاري الواقعة في إقليم موبتي وسط مالي.
وتبعد المدينة حوالي 620 كيلومتراً جنوب غرب غاو، ونحو 70 كيلومتراً شرق مدينة موبتي.
وتعتبر سيفاري من أهم المراكز العسكرية التي تستخدمها القوات المالية في إدارة العمليات ضد الجماعات المسلحة في وسط البلاد، كما تضم قاعدة جوية تستخدم في الإسناد الجوي.
وأكد سكان محليون سماع انفجارات عنيفة منذ ساعات الفجر، أعقبها تحليق مكثف للطيران العسكري.
كينيوروبا… اقتراب المعارك من العاصمة
ولم تقتصر العمليات على الشمال والوسط، إذ شملت كذلك بلدة كينيوروبا (Kéniéroba) الواقعة جنوب غرب العاصمة باماكو؛ وتبعد نحو 70 إلى 75 كيلومتراً عن العاصمة، وتضم أحد أكبر المجمعات السجنية في البلاد.
وتحدثت مصادر متطابقة عن تعرض السجن لهجوم مسلح، دون صدور معلومات رسمية حول نتائجه.
ويحمل استهداف هذه المنطقة رسالة أمنية مهمة، إذ يعكس قدرة الجماعات المسلحة على تنفيذ عمليات بالقرب من العاصمة نفسها.
روايات الأطراف
جبهة تحرير أزواد
تقدم الجبهة العملية باعتبارها استكمالاً لما تصفه بـ”تحرير أزواد”، مؤكدة أن أنيفيس تمثل آخر نقطة عسكرية رئيسية للجيش المالي في محيط كيدال.
وتشير الرواية الأزوادية إلى تحقيق تقدم ميداني كبير والاستيلاء على معدات عسكرية وأسر عدد من الجنود.
جماعة نصرة الإسلام والمسلمين
ورغم عدم صدور بيان تفصيلي حتى الآن، فإن معظم المصادر الميدانية تشير إلى مشاركة الجماعة في الهجوم أو تنسيقها مع جبهة تحرير أزواد، على غرار ما حدث خلال هجمات أبريل الماضي.
ويمثل هذا التعاون أحد أبرز التحولات العسكرية في مالي، إذ يجمع بين حركة قومية أزوادية ذات مطالب سياسية وتنظيم جهادي يتبنى مشروعاً عابراً للحدود.
الجيش المالي
أقر الجيش المالي بتعرض مواقعه في أنيفيس وغاو وأغيلهوك وسيفاري وكينيوروبا لهجمات متزامنة، مؤكداً أن العمليات العسكرية لا تزال مستمرة.
ولم يعلن حتى الآن حجم خسائره أو موقفه النهائي من السيطرة على المواقع المستهدفة.
الرواية الروسية
تتحدث قنوات روسية مقربة من الفيلق الافريقي عن انسحاب تكتيكي لبعض القوات إلى مواقع أكثر تحصيناً، مع استمرار القتال داخل أنيفيس.
ولم يصدر حتى الآن بيان رسمي من القيادة الروسية حول التطورات.
ماذا بعد؟
تعكس هجمات الرابع من يوليو تحولاً واضحاً في طبيعة الصراع المالي، حيث لم تعد العمليات تقتصر على استنزاف الجيش المالي، بل أصبحت تستهدف إعادة رسم خريطة السيطرة الميدانية في الشمال، مع توسيع نطاق الضغط نحو الوسط وحتى محيط العاصمة.
كما تؤكد استمرار التنسيق العملياتي بين جبهة تحرير أزواد وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين، رغم التباين في المرجعيات والأهداف السياسية، وهو تنسيق يقوم على تقاطع المصالح العسكرية ضد الجيش المالي وحلفائه الروس أكثر من كونه تحالفاً استراتيجياً دائماً.
وفي حال تأكدت سيطرة المهاجمين على أنيفيس، فإن ذلك سيشكل تطوراً عسكرياً بالغ الأهمية، لأنه سيقلص بشكل كبير قدرة الجيش المالي على استعادة نفوذه في إقليم كيدال، ويمنح القوى المسلحة هامشاً أوسع للمناورة في أقصى شمال البلاد، مع ما يحمله ذلك من انعكاسات مباشرة على أمن منطقة الساحل والدول المجاورة، وفي مقدمتها موريتانيا والجزائر والنيجر.