مؤتمر رئيس الجمهورية.. حوار مسؤول ورسائل حاسمة في مكافحة الفساد وسيادة القانون / الصحفي أحمودي ولد محمد

لا تُقاس قيمة المؤتمرات الصحفية بعدد الأسئلة المطروحة ولا بطول الإجابات المقدمة، وإنما بما تحمله من رسائل سياسية، وما تعكسه من مستوى الثقة بين الدولة والرأي العام، ومدى استعداد القيادة للانفتاح على الإعلام ومخاطبة المواطنين بشفافية ومسؤولية. ومن هذا المنطلق، جاء المؤتمر الصحفي الذي عقده فخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، ليشكل محطة سياسية وإعلامية لافتة، أكد من خلالها أن الحوار المباشر مع الصحافة أصبح خيارًا راسخًا، وأن التواصل الصريح مع المواطنين يمثل أحد مرتكزات العمل العمومي.
وعلى مستوى الشكل، بدا المؤتمر في صورة تعكس عناية واضحة بالتنظيم والإعداد؛ فقد احتضنته قاعة تليق بمكانة الحدث، وشهد حضورًا إعلاميًا واسعًا ضم مختلف المؤسسات الصحفية الوطنية، إلى جانب وسائل إعلام دولية، في مشهد يجسد التعددية الإعلامية التي تنعم بها موريتانيا، ويعكس احترام الدولة لحرية الصحافة والتعبير في إطار القانون، بما يعزز صورة البلد كفضاء يحتضن الرأي والرأي الآخر.
أما من حيث المضمون، فقد اتسمت إجابات رئيس الجمهورية بالوضوح والهدوء والموضوعية، وتناولت مختلف القضايا الوطنية والإقليمية والدولية التي تشغل الرأي العام، مقدمة رؤية متماسكة لمختلف الملفات، ومؤكدة إلمامًا دقيقًا بتفاصيلها، وهو ما أضفى على المؤتمر طابعًا حواريًا مسؤولًا بعيدًا عن الشعارات والانفعالات.
وكانت الرسالة الأبرز التي حملها المؤتمر هي التأكيد الصريح على أن بناء دولة القانون لم يعد مجرد شعار سياسي، بل خيار استراتيجي لا رجعة فيه. فقد شدد رئيس الجمهورية على أن القوانين والمؤسسات الكفيلة بضمان العدالة والمساواة أصبحت قائمة، وأنه لا أحد فوق القانون، وأن الجميع يخضع لأحكامه دون استثناء، مؤكدًا في الوقت ذاته أن نجاح هذا المسار يتطلب ترسيخ ثقافة احترام القانون وتغيير العقليات، لأن قوة الدول لا تقاس بسن القوانين فحسب، وإنما بمدى احترامها وتطبيقها على الجميع.
وفي ملف مكافحة الفساد، جاءت الرسائل أكثر وضوحًا وحزمًا، حيث أكد فخامته أن الدولة ماضية في تعزيز المنظومة القانونية والمؤسسية لمحاصرة هذه الآفة، وأن مكافحة الفساد مسؤولية وطنية مشتركة لا تقتصر على أجهزة الدولة وحدها، بل تشمل مختلف الفاعلين، وفي مقدمتهم الإعلام المهني، الذي يقع على عاتقه دور محوري في نشر ثقافة النزاهة والشفافية، ومواكبة جهود الإصلاح بمهنية ومسؤولية، بعيدًا عن المزايدات أو التشهير، وفي إطار القانون وأخلاقيات المهنة.
إن هذا المؤتمر لم يكن مجرد لقاء إعلامي عابر، بل حمل في مضمونه رسائل سياسية وإدارية تؤكد استمرار الدولة في ترسيخ الحكامة الرشيدة، وتعزيز دولة المؤسسات، والانفتاح على الإعلام والرأي العام، بما يسهم في توطيد جسور الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، ويعزز المسار الديمقراطي القائم على الحوار، والشفافية، وسيادة القانون.
وفي المحصلة، يمكن القول إن المؤتمر الصحفي لرئيس الجمهورية نجح شكلًا ومضمونًا؛ و عكس تنظيمًا يليق بمكانة الدولة، وقدم خطابًا اتسم بالوضوح والمسؤولية، وأرسل رسائل قوية بأن موريتانيا ماضية في تعزيز دولة القانون، وترسيخ مبادئ الشفافية، ومواصلة الإصلاح، باعتبارها خيارات لا غنى عنها لبناء دولة عصرية قوية، يكون فيها القانون هو المرجعية العليا، وتكون مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.