الأخبار

التهميش العادل..!!

انطلق المفكر المغربي محمد عابد الجابري حين تحدث عن” الأخلاق” من مسلّمة أوّلية مفادها أن الأخلاق مفهوم مجرّد عائم يصعب تعريفه و حشره لغويّا في زاوية محدّدة، فهو يتسرب من التعاريف كالماء بين الأصابع..ذلك أن ما نسمّيه أخلاقا حميدة في مجتماعتنا العربية مثلا ذات المنبع الثقافي و الديني الواحد قد يكون عكس ذلك في مجتمعات أخرى ذات مشارب ثقافية متباينة مع المجتمعات العربية، و ربما تتمايز المجتمعات العربية نفسها في ذلك في كل قُطر،  على هذا يكون لكلّ جيّز جغرافي و اجتماعي أخلاقه التي يحدّد من خلالها قيمة الأفراد” أخلاقيا”وفق منظومته الأخلاقيه الخاصة..

تأسيسا على هذا التقديم قلت لعلّ العدالة الاجتماعية و قيّمها السامية و السماوية في جمهوريتنا هي أيضا مفهوم مجرّد عائم تختلف من مكان إلى مكان،و لا تعني القسط و العدل الذي نسمع عنه بين الأفراد و المجتمعات بل لعلّها تتحدّد انطلاقا من منظومة اجتماعية خاصة و هي التي قد ترى في بعض نصوصها المحكمة التهميش عدلا، و الحق باطلا،و الباطل حقا، و مردّ ذلك يكمن في أن القوّة الخشنة هي وحدها التي تحدّد قدر النصيب المستَحَق و ضرورة المشاركة في الشأن العام من عدمها رغم ما في ذلك من تعبيد للطرقات نحو العنف و استدرار لأسوء الغرائز..

 فلا سبيل للحصول على الحقوق المشروعة في هذا الحيّز النائي إلا بالغلبة أو استعمال القوّة الناعمة أو الخشنة بمفهومها الواسع و المتعدّد و من لا يملكها فحقّه الصمت و القبول بالغبن إلى حين…

بل يعدّ تهميش الجمهورية للكثير من المجتمعات القبلية و الشخصيات السامية على مرّ تاريخها المثقل بالمظالم و الفواجع هو جزء من التهميش العادل الذي يسمى عدلا لا جورا وفق المنظومة المحكمة الخاصة ذات النصوص القطعية الورود و الدلالة…

فالحصول على الحقوق عن طريق الاستحقاق هو ممّا قلّ و ندر، أما عن طريق الصراع أو الغلبة المادية أو المعنوية أو اللجوء إلى قوة نافذة أو قانونية هو ممّا كثُر و اطّرد…

 إن عدم الحصول على الحقوق المشروعة و التوزيع العادل للثروة بين المجتمعات و الأفراد بقسط و عدل هو أوّلا تنكّر لقيّم سماوية و إنسانية نبيلة، ما بعث الله رسولا إلا لترسيخها و تجذيرها” و لقد أرسلنا رسلنا بالبيّنات و أنزلنا معهم الكتاب و الميزان ليقوم الناس بالقسط” كما أنه تشجيع على العنف و نذير شؤم لمستقل غامض الملامح،فالوعي بضرورة “العدالة الاجتماعية” يتزايد و يتفاقم و يأخذ أشكالا متعدّدة في حين لم يبرح وعي السلطات بذلك مكانه بل تتصامم و تتمادى في ذلك حتى يتزايد الامتعاض و يستشري الشعور بالظلم بين الجميع ….

إن من يريد بناء دولة ذات مستقبل و نفوذ على أسس الظلم و الحيف كمن يريد بناء ضخما على غير أساس ركين يركن إليه ….

أرجو أن تتعظ السلطات العميقة بغيرها و تتوجّه لترسيخ قيم العدالة الاجتماعية بين الجميع و تنصف المظلومين و تناصب الظالمين حتى يتمكن هذا الكيان من البقاء ردحا من الزمن على هذه الأرض المغضوب عليها منذ فترة.

منطقة المرفقات

 

 

محمد محفوظ متالي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى