كافح الفساد، وبنى البلاد، وغاث العباد، وغسل عار التطبيع، وتخلى طوعا عن السلطة”.. و لا يخامرني شك أن بعض ولد الشدو يضحك مثلي من بعضه.. و باطنه يخالف في تصديقه ظاهره.. و شيء في صدره يصيح بشيء في بطنه: لقد كذبتِ أيتها الأمعاء التي لن يملؤها غير التراب..!.. و الرمق الأخير في ضميره يصيح بذاته: أفبعدَ شيب القذال و ابيضاض المسحل تأخذك الدنية في مبادئك يا هذا.!
في مرافعته البائسة يقول الأفوكاتو ما نصه”في ملف “قضائي” بهذا الحجم (….)، تمت إقالة وزير عدل قانوني تشبث بالقانون وأبى أن يحيد عنه، وجيء بوزير سياسي مكانه!”.. ألا يعرف ولد الشدّو أن الوزير المعنى حيمود ولد رمظان هو من أحال الملف للنيابة، مع تعليمات بفتح التحقيق فيه، بعد أن أحيل إليه من طرف الجمعية الوطنية.. و لعل ما وصفه به الأفوكاتو ولد الشدو من “تشبث بالقانون” هو ما دفعه لاتخاذ تلك الإجراءات.. و للتدقيق في هذه المعلومات يمكن لذاكرة الأنترنت أن تسعف ذاكرة ولد الشدو إن كان قد علاها صدأ الزهايمر. و لقد غاب أيضاً عن ذهن الأفوكاتو الممتشق للدفاع عن وكيله سيفاً من خشب أن قاضي التحقيق ووكيل الجمهورية يمارسان وظائفهم من عام 2018 حيث تم تعيينهم في دورة للمجلس الأعلى للقضاء ترأسها “المتهم” محمد ولد عبد العزيز، أيام كان رئيساً، لا أعاد الله بها من أيام.. فإن كانوا عديمي كفاءة أو نزاهة، عُينوا في مناصبهم خطأً. فتلك مسؤولية يتحملها ولد عبد العزيز لاعلاقة للسلطات الحالية بها.
لم تتوقف هنا ثرثرة العجوز المخملي التافهة، فواصل هذيانه ليقول “إن الأموال المحجوزة و المجمدة في ملف ولد عبد العزيز يملكها أشخاص آخرون و لاعلاقة للرئيس السابق بها”.. و لقد كان أمر الرجل قبل هذا أَمَمَاً، فهي أموال مضى على تجميدها تسعة أشهر، لم يدّعِها خلالها أحد..
هبْ -حضرة الأفوكاتو – أن ولد عبد العزيز ينفي علاقته بها، ثم لم يتقدم متقدمٌ بادعائها، أفلا يكون تملكها حقا للدولة، ما دامت بلا مالك.. و لكن هيهات، فقد صرّح الرجل غير ما مرة أن جميع ممتلكاته مجمدة.. و لعلك تثير حفيظته و هو الضنين بماله حين تحاول اعتصاره منه لتمنحه لغيره، حتي و لو كان على سبيل المناورة القانونية.
ماذا تقول عن 12 مليار أوقية تم ضبطها في حسابات مصرفية، باسمه أو باسم أشخاص اعترفوا أنها له.. و لا مناكرة في وثائق مصرفية.؟!
ماذا عن خمس مليارات صرّح ابهاي ولد اغده أنْ قد أودعه إياها محمد ولد عبد العزيز، و قد سلمها للعدالة، فتم حجزها؟!
و ماذا عن مليون دولار و مليار أوقية صرّح سلمان ولد ابراهيم أنها وديعة من ولد عبد العزيز.؟! أم أن سلمان و ولد غده سلمّا للعدالة ما سلماها من أموالهم الخاصة.؟!
و ماذا عن مليوني دولار و 240 مليون أوقية اعترف محمد ولد امصبوع أن ولد عبد العزيز أقرضه إياها لبناء مصنع لمنتجات السمك في نواذيبو؟!
و لمن تعود ملكية مرائب السيارات في دار النعيم و توجونين و تيارت (زهاء 100 سيارة ما بين عابرة صحراء و شاحنة و قالبة و جرار، أغلبها لم يسبق عليه استعمال)، قطعها الأرضية مسجلة باسمه أو باسم أحد أبنائه ؟!
و ماذا عن ما وضعت العدالة يدها عليه من عمارات و منازل.؟! و ماذا عن مصنع الأصيل للمياه المعدنية في بنشاب، و ورشة الألمنيوم في تفرغ زينه، و شركة هيدرو 24 المسجلة باسم ابنه بدر ولد عبد العزيز، والتي تتبعها 24 محطة وقود في نواكشوط.؟
و ماذا عن فندقه في الشامي.. و مصنعه لتقشير الأرز في ضواحي روصو؟!
ثم ينقض الأفوكاتو سحيل أقاويله و مبرمها، حين يقول: “التشبث بقول المتهم إنه غني دون أن تعثر على رابطة سببية بين غناه وبين ما تتهمه به، والغنى ليس جريمة. والبينة على المدعي!”..
لقد قال القانونيون و لم أقل “إن قوله “الغنى ليس جريمة” جهل فاضح بالقانون.. فمن الجرم غنى الموظف الذي تحظر عليه ممارسة التجارة و الأعمال الخاصة، فجريمة الثراء غير المشروع التي تضمنها قانون مكافحة الفساد تقوم في حق كل موظف لايستطيع تبرير مصدر مشروع لثروته، فيقع عبء الإثبات على الموظف و ليس على القضاء.. و كل ما يُطلب من ولد عبد العزيز هو أن يثبت المصادر المشروعة لثروته الطارئة.
ثم يضرب ولد الشدو في سمادير تيهه ضربَ عشواء فيقول “الرجل قد تحداهم جميعا، (….)، أن يثبتوا وجود اختلاس له به علاقة في مؤسسة ما من مؤسسات الدولة، أو ارتشاء ما” و حسب من نوّر الله بصائرهم من القانونيين – و ليس الأفوكاتو منهم- فإن هذا التحدي الغبي تفلة أعمى، حيث أن التهم العشر ليس من بينها “اختلاس المال العام”، فالرجل متهم بتبديد ممتلكات الدولة (بيع المدارس القديمة و الملعب و مدرسة الشرطة) و استغلال النفود و التربح من الصفقات العمومية و الثراء غير المشروع و إساءة استخدام الوظيفة و غسيل الأموال و ممارسة أعمال تجارية لا تحق له و هو يزاول منصبه رئيسا للجمهورية.
إنه تحدِ خارج من سياقه أيضل لأن مرحلة التحقيق مرحلة جمع الأدلة لا استعراضها، عكس المحاكمة العلنية التي هي مجال لاستعراضها و سيواجه فيها عزيز و دفاعه وثائق و مستندات تجاوزت 5000 صفحة، مرشحة للزيادة.
و لكننا نتحدى ولد الشدو و وكيله ـ و وكيلنا الله – أن يثبت مصدراً شرعيا لثروة اعترف بها رئيس دولة حكم بلاده 11 عاماً، كان قبلها قائد كتيبة عسكرية، و تلك وظيفتان يحظر على أصحابها مزاولة التجارة،
كيف يتحدث ولد الشدو عن خرق الدستور متقنعا وجهاً من فولاذ، و هو من يدافع عن أسطورة التنكيل بالدستور و النكاية بالشرع و القانون؟.. ألم ينقلب على رئيس مدني منتخب، ثم سجنه دون إجراءات قضائية، بحجة أنه “أقاله من منصبه ليلاً”.. و لو ترك القطا ليلا لنام.! و من ضرب عرض الحائط بتصويت مجلس الشيوخ ضد تعديلاته الدستورية، و لجأ لاستفتاء مخالف للدستور.؟!.. و من أمر بمتابعة وزير أول (يحي ولد الوقف) على وقائع حدثت أثناء عمله، و هو من يحاول أن يتقي المتابعة اليوم بمِجَنٍ من الحصانة المطلقة عن جرائمه خلال مأموريته، و هو ما يعارضه فقهاء القانون الدستوري المعتبرين (محمد محمود ولد محمد صالح و محمد الأمين ولد داهي، ولوغرمو عبدول). ثم إنه في فرنسا و جنوب إفريقيا و تونس و السودان يحاكم رؤساء سابقون، فهل تكون موريتانبا بدعاً من ذلك.
و يقول ولد الشدو إيضا “أقصي المدعي العام عن تسييره، باعترافه، وأطلق العنان لوكيل الجمهورية” فيقول القانونيون “إن الحديث عن تجاوز المدعي العام نكتة تقهقه لها الثكلى.. فالنيابة العامة نظام هرمي، يخضع فيه وكيل الجمهورية لسلطة المدعي العام، الذي يخضع بدوره لسلطة وزير العدل.. فكيف يقول الأفوكاتو بتدخل وزير العدل دون المرور بالمدعي العام. و الحال أنه من أحال الملف لوكيل الجمهورية، بعد إحالته إليه من طرف وزير العدل.. و ما زعم ولد الشدو من أن المدعي العام اعترف بتجاوزه في الملف هو أمر لم يعلنه، فإما أن يكون ولد الشدو قد افترى عليه كذباً، أو أن المدعي العام ائتمنه على سره فنثه و بثه.. و الراجح عندي أنها فرية على غرار قوله إن ولد عبد العزيز أصيب بجلطة فأرغم على العلاج.
من تناقضات الأفوكاتو العجوز أن يعتبر تحويل قاض في المحكمة العليا تنحية له لعدم الثقة فيه، و بالتالي فهو تدخل في الملف، ثم يعود ليعتبر عدم تحويل قضاة آخرين أمرا غير طبيعي، فهو بالتالي تدخل في الملف. و لعله لو تم تحويل قضاة التحقيق المباشرين للملف لاعتبره تحويلاً لمن لا يوثق بهم و اتياناً بمن يوثق بهم.
دعني أؤكد لك أيها الأفوكاتو المتردي في مهاوي الارتداد الفكري و الأخلاقي أن سبب ما أسميته “فتنة المرجعية” هو ما اثبتته الأيام من أن تخلي ولد عبد العزيز عن السلطة كان “تحرفاً” لها لم يلبث بعده أن حاول استرجاعها، و لم يكن أبداً قناعة بتكريس نظام تناوب سلمي على السلطة.. و “قطع العلاقات الدبلوماسية مع اسرائيل” كان بضاعة عرضت للبيع فدفع ثمنها الزعيم الليبي معمر القذافي. أما تخريفات “منع الدفاع من الملف و سحبه من المحكمة العليا” فضربٌ في حديد بارد.. فقد طلب الدفاع نسخة من الملف قبل الوقت القانوني فمنع منها في انتظار موعد بدء استجواب موكله، و عندئذ تم تسليمها له.. أما سحبه من المحكمة العليا فليقم عليه دليلاً، و هيهات له ذلك:
و الدعاوي ما لم تقيموا عليها
بينات، أبناؤها أدعياء
… ثم توكأ الرجل في محاججته على عصا مرخ، فقال إنه “عمل لأول مرة في تاريخ القضاء الموريتاني بقانوني الأدلة السرية والمساومة القضائية المعمول بهما في أمريكا وإسرائيل” في حين أن نظام الأدلة السرية في الولايات المتحدة الأمريكية يعني عدم الاستظهار بوثائق الاستخبارات في المحاكمات العلنية، في حين أن “ملف العشرية” لا يحتوي أدلة استخباراتية، كما أنه لم يقدم للمحاكمة بعد حتى تكون فيه أدلة سرية أو علنية..!
لا يمكنني أن أصدق أن رجلا حشوَ ثيابه مثل المحامي محمدن ولد الشدو يمكنه أن يكون مصدّقاً في قرارة نفسه لما يقوله عن تافه مثل ولد عبد العزيز، فهل يجعلنا هذا نصدّق شائعات لاكتها الألسن عن أشياء لا نعرف طبيعتها يبتزه بها.. و لعلها أشرف، فيكون ممن “أُكره وقلبه مطمئن” لنذالة ولد عبد العزيز.