الرؤيا الصالحة من الله و الحلم من الشيطان./محمدالأمين اشريف احمد

في هدأة الليل، وخلال خلوةٍ تأمَّليةٍ مع نفسه، بَغَت صاحب الفخامة قرارٌ مفاجئ: أن يَستطلعَ بنفسه حقيقةَ أداء وزرائه، ليُحدِّدَ أَكفأهم وأكثرهم إنجازًا في المشاريع المُوكَلة إليهم. ودار في خلده سؤال: كيف السبيل إلى ذلك؟
لم يلبث أن استقرَّ رأيه على منهجيةٍ ذات شقَّين:
أمَّا الشق الأول: فكان استدعاء الوزراء واحدًا واحدًا، ليقدِّم كلٌّ منهم عَرْضًا مُفصَّلًا لمشاريعه، وفق جدولة زمنية شفافة، تُبيِّن الأهداف، والتمويلات، والآجال المقررة للانتهاء. وكان صاحب الفخامة يُدوِّنُ بدقَّةٍ كلَّ ما يُلقى أمامه.
وأمَّا الشق الثاني: فكان الإصغاءَ إلى المستفيدين الحقيقيين من تلك المشاريع: عامةَ الشعب. فقرَّر أن يصغي إليهم بإمعان، ويتتبَّعَ ملاحظاتهم بتأنٍّ.
وفي تنفيذ الشق الأول، كانت ردودُ الوزراء نسخةً مكرَّرةً من بعضها: كلٌّ يعرضُ عبر شاشته المحمولة قائمةَ مشاريعه المُنجَزة، وأخرى قيد الإنجاز، وعقباتٍ تُبطئ سير العمل، مُدعِّمًا كلامَه بأرقامٍ وإحصاءاتٍ ورسومٍ بيانية، بل ومقاطعَ فيديو لمواطنين يرفعون راية الثناء للإنجاز ولمن يقف وراءه.
أمَّا الشق الثاني، فقد تردَّد صاحب الفخامة في جدوائيته، فهو واثقٌ من حُسن تسيير الحكومة، ومُطابَقة الإنجازات لبرنامجه الانتخابي “تعهداتي”. لكنه مضى قدمًا في منهجيته، وأمر الأجهزة الأمنية والإدارية بإعداد تقاريرَ وافيةٍ ترصد آراءَ الناس حول ما أُنجِزَ وما هو قيد الإنجاز.
وجاءت الصدمة كالصاعقة: آراءُ العيّنات التي استُطلِعت، أربكت صاحبَ الفخامة أيَّما إرباك! فجمهورُ الناس لم يَرَ ولم يَسمع بتلك المشاريع، وكأنها لم تكن! وبعضهم أثنى على أشخاصٍ لا على مشاريع، وآخرون التزموا الصمتَ المريب.
وعندما اطَّلَعَ على هذه الحقيقة المرَّة، ازدادت حيرتُه، فجمعَ أركانَ حكمه يستشيرهم. وهنا تداخلت الأصوات في مخيلتي، غير أنني تخيَّلْتُ أن الرئيس سيحسم أمرَه وينزل بنفسه إلى الميدان ليلمسَ الحقيقةَ بيديه، ويجدَ تفسيرًا لما بدا له “كذبًا” من أفواه المواطنين!
لكنَّ شكًّا تسلَّلَ إليَّ، إذ سمعتُ أحدَ كبار معاونيه يُشيرُ عليه بتَنْظيم زياراتٍ مَعلَنةٍ للولايات والمقاطعات والبلديات، على أن يُعلنَ مواعيدَها للشعبِ ليتهيَّأوا لاستقباله بما يليقُ بمقامه.
وهنا، وعلى مشارف الفجر، أيقظني صوتُ المؤذِّن يتردَّد: “الصلاة خير من النوم”، وأنا ما زلت أُردِّدُ في يقظتي: “الزيارات المفاجئة وحدها هي الكفيلة بكشف الحقيقة… ومَن يستحقُّ المكافأةَ أو العقاب”.
د محمد الأمين شريف أحمد.