محمد بمب مكت بين خطاب التوافق واختبار الفعل البرلماني / احمد محمد حماده كاتب و محلل سياسي

يبدو أن الخطاب هذه المرة لا يريد أن يكون مجرد افتتاح بروتوكولي لدورة برلمانية، بل محاولة واضحة لإعادة تعريف دور البرلمان في لحظة تبدو فيها البلاد محاطة بتحديات صامتة لكنها ثقيلة. حديث محمد بمب مكت عن البرلمان كفضاء “جوهر للديمقراطية” ليس جديداً في ذاته، لكنه يحمل بين سطوره قلقاً من تآكل الثقة بين المواطن والمؤسسات، وكأن الرجل يقول بطريقة غير مباشرة: البرلمان ما يزال قادراً على أن يكون صوت الناس، إن نحن أحسنا استخدامه.
اللافت في هذا الخطاب هو الإلحاح على مفردات مثل “الوحدة الوطنية” و”روح المسؤولية” و”التضامن بين الأغلبية والمعارضة”، وهي مفردات لا تُستدعى عادة إلا حين يكون هناك شعور بأن التوازن هش. فالدعوة إلى التوافق هنا ليست ترفاً سياسياً، بل أقرب إلى ضرورة تمليها ظروف اقتصادية واجتماعية ضاغطة، في ظل سياق إقليمي ودولي مضطرب ينعكس بشكل مباشر على الداخل.
ومن زاوية أخرى، يبدو أن السلطة التشريعية تحاول استعادة شيء من المبادرة، أو على الأقل تحسين صورتها كجسر بين المواطن وصانع القرار. التأكيد على أن البرلمان منصة “للاستماع لمطالب المواطنين وتحويلها إلى سياسات” يحمل في طياته اعترافاً ضمنياً بأن هذه الوظيفة لم تُؤدَّ دائماً بالشكل المطلوب. وهنا تحديداً تكمن الإشكالية: هل يكفي الخطاب لإعادة الاعتبار لدور البرلمان، أم أن الأمر يحتاج إلى ممارسة سياسية مختلفة تعيد الثقة فعلاً لا قولاً؟
كما أن التذكير بأن الديمقراطية لا تختزل في سنّ القوانين، بل تشمل الحوار والتفاهم، هو في جوهره رسالة مزدوجة: موجهة للطبقة السياسية لتخفيف منسوب التوتر، وموجهة أيضاً للرأي العام بأن المرحلة تتطلب قدراً من الصبر والانخراط بدل القطيعة. لكن هذا الطرح يظل ناقصاً ما لم يُترجم إلى انفتاح حقيقي على النقد والمعارضة، لا مجرد الدعوة الرمزية لها.
في العمق، يعكس هذا الخطاب إدراكاً بأن موريتانيا تقف عند مفترق طرق دقيق، حيث لم تعد التحديات داخلية فقط، بل باتت مرتبطة بتقلبات أكبر من حدود الدولة. لذلك فإن الرهان على تماسك الجبهة الداخلية يبدو الخيار الأكثر واقعية، لكن نجاحه يظل مشروطاً بمدى قدرة الفاعلين السياسيين على تحويل لغة التوافق إلى أفعال، لا أن تبقى مجرد عناوين تُستهلك مع كل افتتاح دورة برلمانية.
#منصة_أكجوجت_أنغو
#تابعون
