أزمات الجوار الموريتاني والجبهة الداخلية ؟ /الأستاذ السالك ولد اباه

مقدمة
أكتب هذا من باب النصح لا الادعاء، ومن زاوية تجربة تشكلت عبر متابعة دهاليز الدبلوماسية خلال حرب الصحراء، تلك الحرب التي بدت ـ في كثير من جوانبها ـ أقرب إلى صراع إقليمي وأهلي متشابك منها إلى حرب تقليدية واضحة الأطراف والنهايات. وقد علمتني تلك المرحلة أن أخطر ما يواجه الدول ليس دائمًا الهزيمة العسكرية، بل الانزلاق البطيء إلى صراعات تبدأ محدودة ثم تتحول إلى استنزاف طويل.
واليوم تقف موريتانيا في محيط إقليمي مضطرب، حيث تتحرك الجماعات المسلحة، وتتداخل التجارة غير الشرعية بالهشاشة الاجتماعية، وتصبح الحدود أحيانًا خطوطًا رخوة بين الأمن والفوضى وامواج الهجرة الاستيطانية بهدف تغيير التركيبة السكانية . في مثل هذه البيئات، لا يكفي امتلاك القوة، بل تصبح الحكمة في معرفة متى تُستخدم القوة، ومتى يصبح تجنب الحرب انتصارًا بحد ذاته.
1. المستنقع المالي ليس ساحة سهلة
ليس من مصلحة موريتانيا الانخراط المباشر في الأزمة المالية، لأن هذا النوع من الحروب لا يُحسم بسرعة، ولا يخضع لمنطق الانتصار التقليدي ثم ان الحرب ليست حربها .
ففي الساحل تختلط:
القبيلة بالسلاح،
والتهريب بالسياسة،
والفقر بالتطرف،
والجغرافيا بالولاءات العابرة للحدود.
ولهذا فإن الدخول إلى هذه البيئة قد يكون أسهل من الخروج منها. فكثير من الحروب في الصحراء تبدأ بعملية محدودة، ثم تتحول تدريجيًا إلى استنزاف مفتوح.
درس حرب الصحراء ما يزال حيًا
التجربة الموريتانية في ملف الصحراء تقدم درسًا استراتيجيًا مهمًا. فقد أدى الانخراط في صراع إقليمي معقد إلى ضغط اقتصادي وأمني وسياسي كبير، قبل أن تعيد الدولة تموضعها وتخرج من حرب لم تكن قادرة على التحكم الكامل في مسارها.
ومن هنا يجب ترسيخ قاعدة واضحة :
ليس كل تهديد قريب يستدعي تدخلًا مباشرًا ، فبعض الحروب تصبح مع الوقت أكبر من أهدافها الأولى، وتتحول من عملية دفاعية إلى استنزاف طويل للدولة والمجتمع.
الخطر الحقيقي قد يتسلل ببطء
الخطر على موريتانيا لا يتمثل فقط في مواجهة عسكرية مباشرة، بل أيضًا في انتقال الفوضى تدريجيًا عبر:
شبكات التهريب،
والهجرة غير المنضبطة،
وتسلل السلاح،
والاقتصاد الموازي،
وتحول بعض المناطق الحدودية إلى فضاءات رمادية بين السلم والحرب.
فالجماعات المسلحة لا تدخل دائمًا بالدبابات، بل قد تدخل عبر المال، أو التجارة غير الشرعية، أو استغلال الهشاشة الاجتماعية.
وبعض الحروب تبدأ من السوق قبل أن تصل إلى الميدان.
1. الجبهة الداخلية هي خط الدفاع الأول
المجتمع الموريتاني بحكم تكوينه الاجتماعي ليس معزولًا عن محيطه الإقليمي. فبعض الامتدادات القبلية والاجتماعية تتقاطع مع فضاءات أزواد والساحل، كما يتأثر جزء من المكون الفولاني إنسانيًا بما يجري لبني عمومته داخل مالي.
وهذه الروابط طبيعية في أصلها، لكن الخطورة تبدأ عندما تتحول أزمات الخارج إلى استقطاب داخلي أو إلى ولاءات تتجاوز إطار الدولة الوطنية.
ولهذا فإن حماية الجبهة الداخلية تقتضي:
تعزيز الهوية الوطنية الجامعة،
منع استيراد صراعات الخارج،
وتجفيف بيئات الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية التي قد تستغلها الجماعات المتطرفة أو شبكات التهريب.
كيف تتجنب موريتانيا الانزلاق إلى الحرب؟
الوقاية هنا ليست شعارًا، بل سياسة دولة تقوم على عدة أسس:
أ ـ تحصين الحدود بوسائل ذكية
ليس المطلوب عسكرة شاملة، بل مراقبة تقنية و عمل استخباراتي فعال ، ووحدات تدخل سريعة.
ب ـ تنمية المناطق الحدودية
فالحدود الفقيرة أكثر قابلية للاختراق من الحدود البعيدة.
ج ـ ضبط الهجرة واللجوء
بمقاربة متوازنة: تحفظ الأمن والسيادة ، وتحافظ في الوقت نفسه على البعد الإنساني.
د ـ منع قرارات الانفعال
أخطر الحروب هي تلك التي تبدأ كرد فعل عاطفي على حادث حدودي أو ضغط إعلامي او تصريح ديبلوماسي .
هـ ـ ربط أي تدخل بخطة خروج
فالدولة التي تدخل حربًا دون تصور واضح لنهايتها قد تجد نفسها أسيرة لها لسنوات.
متى تصبح الحرب ضرورة؟
رغم أهمية الحذر، فإن الحرب قد تُفرض نفسها أحيانًا إذا تعرضت الحدود لاعتداء مباشر، أو أصبح أمن المجتمع والدولة مهددًا بصورة لا يمكن احتواؤها بوسائل أخرى ، لكن حتى في هذه الحالة يجب أن تبقى المواجهة
دفاعية لا توسعية، و محددة الهدف،ومحكومة بسقف سياسي وزمني واضح. قدر الإمكان
الحذر الاستراتيجي خيار واقعي
ويُحسب للدولة الموريتانية خلال السنوات الأخيرة، بقيادة محمد ولد الشيخ الغزواني، أنها اتجهت نحو مقاربة تقوم على الحذر الاستراتيجي، وتجنب المغامرات الخارجية، مع التركيز على تثبيت الاستقرار الداخلي وتعزيز حضور الدولة في المناطق الهشة.
وفي بيئة إقليمية شديدة الاضطراب، قد يكون تجنب الحرب أحيانًا إنجازًا لا يقل أهمية عن الانتصار فيها.
خاتمة :
إن الدول في فضاء الساحل لا تنهار دائمًا بسبب ضعف جيوشها، بل أحيانًا لأنها تدخل صراعات أكبر من قدرتها على الاحتمال، ثم تكتشف متأخرة أن الخروج من الحرب أصعب من الدخول إليها.
ولهذا تبقى الحكمة السياسية الحقيقية ليست في إشعال كل المعارك الممكنة، بل في معرفة أيّ المعارك يجب خوضها، وأيّها يكفي أن تنجو الدولة من نارها.
فبعض الحرائق لا ينجو منها من يدخلها شجاعًا، بل من يملك البصيرة الكافية كي لا يدخلها أصلًا.